
طارق الهاشمي
ليست موجة الحر اللاهب والعواصف الترابية أو انهيار البنية التحتية وصعوبات الحياة الأمنية والمعيشية وحدها التي تكدر أيام العراقيين، فتأخر ميلاد الحكومة الجديدة يلقي بظلال من القلق والتشاؤم، ليس على واقع حياة المواطنين الذين يعانون من أزمات بنيوية فحسب، بل يثير هذا الجمود الذي لم يخفف من وطأته تحديد موعد الجلسة الأولى للبرلمان المنتخب المخاوف على مستقبل الكيان الوطني العراقي وطموحات تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة وتطوير الاقتصاد
واستعادة الوزن الجيوسياسي للبلاد. كما إن للركود السياسي في هذا التوقيت تداعياته السلبية على مستقبل التجربة الديمقراطية بمجملها في العراق.
وبالرغم من ذلك فحتى هذه اللحظة ما زال في المشهد السياسي ثمة نقاط تدعو للتفاؤل مثل التمسك الجماعي بحاكمية الدستور ومرجعية القضاء في تفسير نصوصه، وهو أمر ايجابي ومهم لجهة تكريس السمة المدنية والدستورية للعملية السياسية، حتى لو كان هذا التمسك شكلياً في بعض الحالات، ويتضمن محاولات فرض تفسيرات معينة دون أخرى للدستور أو توظيف قرارات القضاء لصالح طرف على حساب الآخرين. كما أن هناك حكمة وروية وعقلانية وحرصا على ضبط الخطاب تطبع الحراك السياسي، وهي سمات كان لكتلة "العراقية" قصب السبق في التحلي بها وتكريسها.
في المقابل هناك مؤشرات تقوض أجواء الثقة التي يفترض أن تسود في ظروف رسم مشهد سياسي ودستوري جديد بعد تجربة انتخابية وطنية واعدة. فهناك شعور عام بوجود تعمد في تأخير وإعاقة انطلاق مفاوضات جدية تحت مظلة الدستور لتشكيل الحكومة، وذلك بهدف تحقيق منافع مؤقتة لمسؤولين حكوميين انتهت ولايتهم. وقد جاءت بعض التصرفات لتدعم شكوكاً من هذا النوع مثل توقيع عقود وتعيين موظفين وإقالة آخرين، وهي قرارات كان إنفاذها في السابق ربما يستلزم مرورها على مجلس النواب أو على مجلس الرئاسة أو كليهما وليس انفراد الجهات الحكومية بها دون التحسب من الرقابة النيابية.
وإذا كان بناء دولة المؤسسات هو هدفنا الاستراتيجي فمن المفيد هنا التأكيد أن مجلس النواب المنتخب مطالب حال بدء دورته الأولى وفراغه من التصويت على هيئة رئاسته ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بممارسة دوره الرقابي بأثر رجعي وتدقيق قرارات الفترة الممتدة من يوم الانتخابات 7 آذار إلى يوم منح الثقة لمجلس الوزراء الجديد. كما أن رئيس مجلس الوزراء الجديد والوزراء، كلا في وزارته، ملزمون في ضوء ذلك بمراجعة الأداء الحكومي للفترة نفسها واتخاذ ما يلزم لإقرار أو تصحيح الأوضاع في إطار الدستور والقانون ومقتضيات المنهاج الوزاري الجديد.
أما ما يتعلق بتشكيل الحكومة فإن المسألة الأهم هي ضرورة وجود أفق لهذا الجدل السياسي الراهن. وهذا لن يتحقق إلا بالرجوع إلى الدستور والالتزام به بدقة وموضوعية، لا سيما المادة (76) منه، فهذا وحده الكفيل بإعادة ترتيب بيتنا السياسي العراقي وتصفير المشاكل وإنهاء حالة الانسداد في المشهد وفتح آفاق الانفراج والانتقال إلى مرحلة التعاون والتفاهم بين الكتل السياسية. وعندئذ سنتمكن من إدارة مفاوضات عملية بناءة تفضي إلى تشكيل الحكومة في وقت قصير نسبياً وهذا ما نأمل أن يتحقق في المستقبل القريب أن شاء الله.
يوماً بعد آخر تزداد الحقيقة سطوعاً وإشعاعاً، وتزداد الأحقية الانتخابية الدستورية والانتخابية رسوخاً وثباتاً، فقد برهنت الوقائع السياسية على أن "العراقية" هي صاحبة حق تشكيل الحكومة، وأن تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة النيابية الأكثر عددا،ً بالرغم من الالتباسات المحيطة بإصداره وحيثياته وتفصيلاته، جاء اختباره على أرض الواقع معززاً لموقف "العراقية" بأنها الكتلة المؤهلة دستورياً لترشيح رئيس الوزراء حسب نص المادة (76: أولاً) من الدستور والذي جاء فيه: "يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية".
ولا بد من التمييز بين مصطلحي "تشكيل" الحكومة و"الترشيح" لرئاسة الحكومة. فتشكيل الحكومة هي عملية سياسية توافقية وطنية كبرى يمكن بل ينبغي للجميع أن يشترك فيها على أساس الشراكة في تأسيس تجربة جديدة، والتضامن في تحمل المسؤولية، والعمل في إطار مفهوم التكافؤ الوطني الضامن لفرص حقيقية لجميع الكتل السياسية قدر الإمكان. أما ترشيح شخصية سياسية لرئاسة الحكومة فهو عملية دستورية خالصة ودقيقة وحساسة، وهي استحقاق دستوري لكتلة "العراقية" لأنها الكتلة النيابية الأكثر عدداً.
وليس هناك اليوم ما يبرر هذه المتاهة التي تعيشها العملية السياسية ذلك أن الدستور لم يترك أمر تشكيل الحكومة سائباً فالمادة (76) بفقراتها الخمسة غطت الموضوع من حيث الإجراءات المتسلسلة، وتتابعها القانوني والمنطقي والموضوعي، والتوقيتات المعقولة، ومسائل التكليف والترشيح والتشكيل، ووضعت أساليب دستورية لمعالجة حالة الإخفاق في تشكيل الحكومة أو عدم نيلها للثقة، وأعطت مكانة للبرنامج الحكومي الذي أسماه الدستور "المنهاج الوزاري" للحكومة وهي المسألة الغائبة عن الحوارات الجارية اليوم، إذ ينحصر الحديث عن "أشخاص" مرغوب بهم أو مرفوضين لتولي هذا المنصب أو ذاك، و"صلاحيات" يريد طرف توسيعها ويريد آخر تقليصها، و"قضايا مختلف عليها" يتم استدعاؤها والتلويح بها لتحقيق مكاسب أو تعظيم أدوار في تشكيل حكومة طال انتظارها!
كما إن القضية لا يمكن تبسيطها أو اختزالها بما يزعم أنه تمسك "العراقية" بمرشح واحد أو رفضها لآخرين، فقد حسمت المحكمة الاتحادية في تصديقها على نتائج الانتخابات الجدل حول تفسير "الكتلة النيابية الأكثر عدداً". وفي ظل النظام النيابي يعلم الجميع أن المقصود الحرفي الذي لا يحتمل تفسيراً آخر لعبارة "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" هو القائمة الفائزة في الانتخابات. وأية ترتيبات بين كتل أخرى لن تغير من واقع الحال، ولن تؤثر في شرعية موقف "العراقية" وحقها في تشكيل الحكومة، وبالتالي لا ينبغي لها أن تتنازل عن هذا الحق لأنها مؤتمنة عليه من العراقيين الذين صوتوا لها ومنحوها الصدارة في الانتخابات.
وبصرف النظر عن ادعاءات يجري الترويج لها اعلامياً من باب الحرب النفسية على كتلة "العراقية"، فإن الجميع يدرك، وكما تؤكد الأسانيد الدستورية والقانونية، أن مشروع دمج الائتلافين لن يتمكن من تحقيق أهدافه في إجهاض حق "العراقية" باعتبارها القائمة الفائزة، وأن الإصرار على هذا النهج سيعقد المشهد السياسي المعقد أصلاً ويؤخر تشكيل الحكومة، وهذا لا يصب في مصلحة أحد.
وسعياً لحل المشكلة الراهنة وتمسكاً بالأمل فإن دعوتنا للرجوع إلى الدستور والإقرار بحق "العراقية" لم تعد مجرد انتصار للذات أو منافحة عن مصلحة الكتلة، بل هي اليوم ضرورة وطنية بات الجميع يستشعرها لتجنيب المشهد الانزلاق إلى مستوى الأزمة العصية على الحل، لا سيما بعد أن أثبتت التجربة أن البحث عن مسارات بديلة بعيداً عن الاستحقاق الانتخابي والدستوري لم يزد المشهد إلا تعقيداً وانسداداً.
وفي ضوء ما تقدم نوجه رسالة مخلصة للإخوة شركائنا في الهم الوطني والعملية السياسية لمراجعة المواقف وإعادة تكييف الوسائل المتبعة مع مقتضيات النص الدستوري والانطلاق في قراءة الساحة وبناء المقاربة من أسس موضوعية واقعية. فمنذ البداية تم التعامل مع "العراقية" من منطلقات نفسية ومواقف مقولبة وقناعات مسبقة، وتم تسويق تصورات مغلوطة مؤداها أن القبول بالحق الدستوري والانتخابي للعراقية هو نهاية العالم وإيذان بعودة البعث والمقابر الجماعية! وهذه كلها مزاعم ما أنزل الله بها من سلطان، فالعراقية مثل كل أخواتها الكتل السياسية الأخرى بل في مقدمتها في حرصها على بناء العراق الجديد والحيلولة دون عودة عقارب الساعة إلى الوراء.
