المتبهلل

بعد أن احتل البريطانيون العراق 1917 وبعد اندلاع ثورة 1920 الوطنية قررت الحكومة البريطانية أقامة حكومة وطنية في العراق وفاتح المندوب السامي البريطاني السير )برسي كوكس( السيد )عبدالرحمن الكيلاني( نقيب أشراف بغداد لإقامة مجلس الدولة برئاسة النقيب وأشرافه المباشر إلى أن يتم جمع ( مجلس تأسيسي ) يقرر الشكل النهائي للحكومة فقبلها النقيب بعد تردد فكانت الوزارة النقيبية الأولى ( 25 / تشرين الأول / 1920 لغاية 27 / آب / 1921) والتي ضمت ثمان وزراء
إضافة إلى رئيس الوزراء وهم :
1 ـ عبد الرحمن النقيب ـ رئيساً للوزراء
2 ـ طالب النقيب ـ وزيراً للداخلية . 3 ـ ساسون حسقيل ـ وزيراً للمالية .
4 ـ مصطفى الآلوسي ـ وزيراً للأوقاف . 5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع .
6 ـ عبد اللطيف المنديل ـ وزيراً للتجارة . 7 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع .
8 ـ محمد علي فاضل ـ وزيراً للأشغال والمواصلات . 9 ـ محمد مهدي بحر العلوم ـ وزيراً للمعارف
وكان (ساسون حسقيل) المالي اليهودي المعروف في ذلك الوقت (والذي اتقن إلى جانب لغته العربية ست لغات أجنبية هي التركية والفارسية والعبرية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، كما كان يلم أيضا باللغتين اليونانية واللاتينية!) هو الرجل المناسب لوزارة المالية في الوزارة فبذلت المساعي لإقناعه بأشغال المنصب حيث كانت الأوضاع المالية منهارة تماماً لأن حكومة الإحتلال البريطاني سحبت كل موجودات الخزائن في العراق وقيدته إيراداً (لحكومة الهند) ولم يتبقى في خزائن الوزارة أي مبلغ (صفرة تماما ً) ؛ ولم تسلم حتى خزينة الأوقاف حيث تم سحب ( ثلاثه الكاك ) من الروبيات كانت مودعة بصفة أمانة في خزينة المالية ! بل وطالبت الحكومة البريطانية الحكومة العراقية بسداد ديون لبريطانيا تجاه العراق وذلك عن رواتب بعض الموظفين البريطانيين وعوض عن إنتقال بعض المكاتب إلى الحكومة العراقية الوطنية كل هذا إضافة إلى حصة العراق من (الديون العثمانية) التي كان لزاما ً على العراق سدادها ! فالخزينة لم تكن (مصفرة) فقط بل مطلوبة للبريطانيين وعليها سداد ديون العثمانيين!!
ونتيجة للظروف المالية الصعبة أضطرت الحكومات المتعاقبة إلى استيفاء رسوم العبور على جسور البلاد سواء على السيارات والعربات و الحيوانات و الأشخاص لتدارك نفقات الدولة وتأمين الإيرادات لها . وكانت الوزارات تسعى إلى زيادة الإيرادات وتقليص النفقات وتطوير وسائل الجباية وضبطها لمصلحة الحكومة و الشعب .في ظل هذه الأوضاع المالية الصعبة كان وزير المالية ( ساسون حسقيل ) وعلى امتداد خمسة وزارات شارك فيها وزيراً للمالية أعتباراً من الوزارة النقيبية الأولى ستفصلها لاحقاً إن شاء الله يجاهد من أجل تجاوز العراق محنته المالية التي كان يمر بها في ذلك الوقت خصوصاً أن الإستكشافات والإستثمارات النفطية لم تكن قد أتت ثمارها بعد !.
و في12 آذار 1921 أنعقد مؤتمر القاهرة لبحث المستقبل السياسي للعراق وقد حضر وفد عن الحكومة البريطانية يضم المسؤولين الكبار في الإدارة البريطانية برئاسة (ونستون شرشل) وكبار المسؤولين البريطانيين في العراق والممثلون البريطانيون في بلدان الشرق الأوسط و وفد عن الحكومة العراقية التي شكلها المندوب السامي هما جعفر العسكري ـ وزير الدفاع و ساسون حسقيل ـ وزير المالية. وبهذا كان ساسون ممثلاً عن العراق في أول مؤتمر يعقد لبحث إستقلال العراق .
وبعد أن تتويج الملك فيصل ملكاً على العراق في 23 آب 1921 كلف الملك فيصل السيد [عبد الرحمن النقيب] بتأليف الوزارة الجديدة (الوزارة النقيبية الثانية ) في 12 أيلول 1921 على الوجه الآتي : 1 ـ عبد الرحمن النقيب ـ رئيساً للوزراء. 2 ـ رمزي بـك ـ وزيراً للداخلية. 3 ـ ساسون حسقيل ـ وزيراً للمالية. 4 ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للعدلية. 5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع. 6 ـ عزت باشـا ـ وزيراً للأشغال والمواصلات. 7 ـ عبد اللطيف المنديل ـ وزيراً للتجارة. 8 ـ عبد الكريم الجزائري ـ وزيراً للمعارف. 9 ـ الدكتور حنا خياط ـ وزيراً للصحة. 10 ـ محمد علي فاضل ـ وزيراً للأوقاف.
فكان ساسون حسقيل (اليهودي) وزيراً للمالية وكان الدكتور حنا خياط (المسيحي) وزيراً للصحة من مجموع تسعة وزراء ولكنهما استوزرا لكفاءتهما وليس لكونهما ممثلين لأي (مكون) ديني أو إجتماعي !
وهكذا تم إستيزار (ساسون حسقيل) للمرة الثالثة في (الوزارة النقيبية الثالثة) التي تشكلت في 30 أيلول 1922 من مجموع سبع وزراء وكذلك كان في الوزارة الوطنية الرابعة (السعدونية الأولى) التي شكلها عبد المحسن السعدون في 20 تشرين الثاني 1922 من مجموع ستة وزراء فقط ! وكذلك كان ساسون وزيراً للمالية في الوزارة الوطنية السادسة (الهاشمية الأولى) التي شكلها ياسين الهاشمي في 2 أب 1922 من مجموع ستة وزراء . وألحقت وزارة التجارة إلى وزارة المالية بعد إلغائها وإيداع أموالها فيها في 15 ـ تموز ـ 1922 واستطاع ساسون إدارتها بمنتهى المهارة والخبرة وأسس لوزارة التجارة أنظمتها المالية والإقتصادية من جديد
ولم يكن دور ساسون مقتصراً على وزارة المالية فحسب إلا أنه كان يمارس دوراً فعالاً في كل أنشطة الحكومة من خلال مجلس الوزراء فكان من أوائل من اقترحوا سن قانون للأحزاب والجمعيات في العراق معللاً ذلك بأن تأليف الأحزاب السياسية أمراً ضروريا ًفإذا منعت الحكومة ذلك فقد تتألف جمعيات وأحزاب سرية عليه يجب إعطاء حرية تأسيس الأحزاب وتشريع ذلك بقانون ضابط كان ذلك في جلسة مجلس الوزراء المنعقد في 11ـ أب ـ 1921م.
ورغم تبدل كل وزراء بقي ساسون حسقيل وزيراً للمالية في خمسة وزارت مختلفة كونه أكفاء الخبراء الماليين في الدولة العراقية حين ذاك وفعلاً أستطاع ساسون أن يؤسس النظام المالي الأساسي المعاصر للدولة العراقية في مثل هذه الظروف الصعبة جدا ًوضع (ساسون) أول ميزانية مالية للدولة العراقية التي كانت تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة ملايين باون إسترليني في السنة وأستمرت إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) ؛ثم وضع الضوابط المالية وبعدها وضع أول قانون للضرائب ومن ذلك ذهب مثل العراقيين الشائع (حسقلهه) أي مسك يديه واتبع سياسة مالية متقشفة جداً نسبة إلى (ساسون حسقيل).
وقد إستطاع أن يمضي بإقتصاديات العراق في ظروف غاية في الصعوبة (إن لم تكن منهارة تماماً ) . ولم يفكر أحد في الإعتراض على إستيزاره كونه يهودياً ولا يشكل الدين اليهودي أي نسبة من (مكونات الشعب العراقي حسب الدستور العراقي الجديد جداً) ومع هذا فهو عراقي أصيل بل على العكس لم يكن الملك يرتاح له بسبب موقف شخصي له ومع هذا كان راضيأ عن أدائه بل أن السيد عبدالرحمن النقيب رئيس الوزراء أصر على رفض الاستقالات المتكررة التي قدمها له في وزارته (النقيبية الثانية) رغم قبوله إستقالات بقية الوزراء المستقيلين حتى حسمها النقيب بالرفض المطلق في رسالة موجهه إلى ساسون قائلا : ( إن قبولي استقالتكم أكون قد أهملت حقوق المواطن الذي يجب علينا عموما ً أن نتضامن على إجراء ما يقتضي له من الخدمات النافعة ... لا يجري قلمي بقبول طلبكم محافظة للمنفعة العامة ؛ وصيانة للخدمات التي يطالب بها كل عراقي لهذا لا أوافق على إستقالتكم أصلاً وقطعاً ) .
ولقد تم استبعاد ساسون حسقيل من الوزارة العسكرية الأولى (الوزارة الوطنية الخامسة) برئاسة جعفر العسكري وحل محله (الحاج عبدالمحسن شلاش) وزيرا ً للمالية بدلاً من ساسون حسقيل ؛ وقد حاول جعفر العسكري (رئيس الوزراء) الجديد إصلاح وتحسين الأوضاع السياسية والإقتصادية في العراق فتصالح مع المراجع الدينية وعمل على إعادة المنفيين منهم إلى العراق حيث إن البلاد قد تضررت من إنقطاع سبل الطلبة والزوار من إيران وتناقصت إيرادات الأماكن المقدسة وكذلك إيرادات السكك الحديدية وكانت الإستثمارات النفطية في بداياتها ولم تكن إيراداتها كبيرة ؛ ورغم الكثير من الإجراءات التي قام بها جعفر العسكري إلا أن الأوضاع المالية إزدادت سوء حتى قدم رئيس الوزراء جعفر العسكري إستقالة وزارته بتاريخ 2 ـ آب ـ 1924. وتم تكليف السيد ياسين الهاشمي بتشكيل وزارته الأولى (الوزارة الوطنية السادسة) فأعاد (ساسون حسقيل) إلى وزارة المالية من جديد .
إعتنى ساسون في تحسين أمور الزراعة والريء والإقتصاديات الزراعية ووضع أسس قانونية مناسبة لحل مشاكل الأراضي الزراعية وطرح خطته لذلك في المنهاج الوزاري المعلن . وما أن باشرت الوزارة عملها حتى قررت أعادة النظر في ( العدد اللازم من الموظفين البريطانيين ) الذين يجري استخدامهم في العراق في دوائر الحكومة وبالفعل حددت عدداً محدوداً لهم ثم (أنذرو) المعتمد السامي البريطاني بأن ( الحكومة العراقية ستستخدم بعض الموظفين البريطانيين بمدة قصيرة خارج العدد المصرح به في هذا القرار وهم 103 موظف مادامت الحاجة تقتضي باستخدامهم إما من جهة المدد فالحكومة لا يسعها أخذ مسؤولية مالية غير محددة على عاتقها إلى مدة أكثر من خمس سنوات) ألا أن المعتمد السامي البريطاني رفض قرار مجلس الوزراء ( لابد أن تقترن مقررات مجلس الوزراء بمصادقة المعتمد و الملك معاً ) مما جعل مجلس الوزراء يعيد النظر في قراره وتعديله للوصول إلى صيغة قبلها المعتمد والملك . ولم يكتفي ساسون بهذا فقد عارض ساسون تمديد مسؤولية الأنفاق على إيواء وإسكان المهاجرين الآثوريين الذين إستقدمهم البريطانيين إلى العراق أكثر من شهر وطالب المعتمد البريطاني بتدبير هذا الأمر لكن المجلس عاد فوافق (على تخصيص خمسين ألف روبية على حساب موقوف للسلفات الزراعية لهؤلاء ) . وكانت هذه واحدة من مناكدات ساسون ضد حكومة الإحتلال (البريطاني)
ثم طلبت وزارة المالية تدقيق ( الديون العثمانية ) التي وزعت على الدول المنفصلة عنها وفعلاً أوفد وفداً عراقياً إلى (الأستانة) لفحص وتدقيق الحسابات وعثر على زيادة في حصة الديون المترتبة على العراق فاعترضت الحكومة العراقية على ذالك وتوصلت إلى إنقاصها ورغم كل إجراءات الحكومة لمعالجة الأزمة الاقتصادية ألا إنها تفاقمت بسبب إصابة الحاصلات الزراعية بآفات طبيعية منوعة فارتفعت الأسعار وبالخصوص أسعار ( الحبوب المعاشية ) في كانون الثاني 1925 ارتفاعا مخيفاً ؛ مما أضطر الحكومة إلى إيقاف جباية الأموال الحكومية وقررت وزارة المالية إلغاء رسوم الكمارك ( على الحبوب المعاشية المستوردة ) وشطبت بعض الديون ومنحت القروض إلى المزارعين في المنطقة الشمالية وخفضت بعض الرواتب الحكومية ولاسيما الوظائف العليا ؛ وأمر الملك فيصل الأول بخفض مرتبه الملكي ولكن رئيس الوزراء لم يقر هذه الأمر لكثرة التكاليف الملكية المطلوبة .
فكان أن أقترح المعتمد البريطاني أن يرسل بعثه مالية أنجليزية بريطانية تدرس وضع العراق المالي فما كان من (ساسون حسقل ) إلا أن (رحب) وسط إستغراب الكثير من المقربين من ساسون بهذه المبادرة بموجب كتاب وزارة المالية المرقم ( س _ م _ 54 ) والمؤرخ في 12 شباط 1925 على أن تعطي الحكومة العراقية رئيس البعثة المقترحة السير( هلتن يانك ) ألف جنيه أسترليني لقاء قيامه بهذه المهمة المالية والتي حددتها وزارة المالية العراقية بما يلي البحث في الوسائل التي يجب أتخاذها لتوازن ميزانية العراق في دور المعاهدة وبعده ؛ مع أعتبار حاجات البلاد من حيث الدفاع والأمن والإدارة وعمران القطر ومراعاة نصوص الاتفاقية المالية والعهود المقطوعة بشأن حصة العراق من الديون العثمانية المفروضة بموجب معاهدة صلح لوزان وزاد (ساسون) و (رفع تقرير عن كل ذلك إلى حكومة جلالة ملك بريطانية) .
وصلت اللجنة ( البعثة) إلى بغداد أواخر 1925 وقدمت تقريرها في 25 نيسان 1925 في 78 صفحة وقد اقترحت حلول معقولة وذلك هو الأهم ( مما كان يقصده ساسون حسقيل ) حيث أوصت اللجنة أن تشطب الحكومة البريطانية على قسم كبير من الديون التي ترتبت على الحكومة الوطنية . فذهب إستغراب من عارضوه في البداية ! فقالوا ضاحكين (حسقله ساسون على أبو ناجي!) . ولقد نجح ساسون( وزير المالية العراقي ) في وضع الحكومة البريطانية في الصورة الاقتصادية الصعبة التي كان يمر بها العراق . ورغم أن أغلب التوصيات لم تنفذ فقد فاتح رئيس الوزراء ( الهاشمي ) الحكومة البريطانية بوجوب شطب بعض الديون بموجب ما أوصت به ( البعثة المالية البريطانية ).
فكانت سياسة وزارة المالية ومنهاجها الذي وضعه ساسون حسقيل يعتمد على تنشيط الصناعة الوطنية والزراعة وتشجيع التصدير وسك عملة عراقية ثابتة وإنشاء مصرف أهلي وحث المواطنين على الإستثمار في الصناعة الوطنية وإصلاح شبكة المواصلات بين جميع الألوية (المحافظات) وزيادة الاعتماد على سكك الحديد وحصر الأنفاق على الضروريات وتنقيح الضرائب وتشجيع الإستثمارالأجنبي ووضع الخطط العامة للمشاريع العملاقة ... الخ .
إلا أن اخطر ما أزعج البريطانيون من ساسون حسقيل إصراره على أن يكون سعر النفط العراقي المباع إلى بريطانيا بالروبية الذهبية وليس بالجنيه الإسترليني كما كانت الحكومة البريطانية ترغب ففي 13 آب 1923 فوضته الحكومة العراقية آنذاك لمفاوضة البريطانيين حول الامتياز شركة النفط العراقية التركية (شركة بريطانية), فأصر ساسون على أن يكون الدفع بالشلن الذهب سعرآ للنفط المباع, مما أفاد الميزانية العراقية فيما بعد. وبفضله أخذ العراق يسترجع واردات النفط بالباون الذهبي، بدلاً من العملة الورقية إضافة إلى إصراره على المساهمة في رأس مال شركة النفط المستثمرة من دون أن يقدم العراف فلساً واحدا ً(خزينة العراق كانت خاوية وعليه ديون متراكمة من العهد العثماني!) كي يتمكن من رهن تلك الحصة في المصارف الأجنبية ويحصل من خلالها على قروض وتسهيلات مالية تخدم العراق ، وتأكيد مبدأ الدفع على أساس الذهب. ولما اعتبر المفاوضون البريطانيون طلب ساسون بالدفع على أساس الذهب نظرية بالية، أجابهم ساخراً: «أجل إن ذلك صحيح، لكنني أتمسك بها لأنني أنا أيضا رجل متحجر الفكر من بقايا العهد العثماني الزائل»..! هكذا قالها ساسون والله العظيم !!! مع البيان إن رأيه كان موافقا ً لأحدث النظريات الأقتصادية ولم يكن رأيه متخلفا ًكما زعم !
وبعد إصراره على ذلك في مفاوضات (1925) مع الجانب البريطاني، رغم اعتراض أعضاء الوفد العراقي على ذلك مما جعل صبر البريطانيين ينفذ ولم يعودوا يطيقوا ساسون فيشترطوا على الوزارة التي تلت الوزارة الهاشمية بعدم ترشيح ساسون للوزارة مرة أخرى وتخلصوا من ساسون وخسر العراق عبقرية مالية ورجلا ً من رجالاته العظام وأحسن وزير مالية في تاريخ العراق المعاصر منذ أول حكومة وطنية (بإستثناء وزير المالية الحالي طبعا ً ).
لم تقتصر عبقرية ساسون حسقيل على تنظيم الأمور المالية للدولة العراقية فحسب وإنما استعانت به بعض الدول العربية المجاورة آنذاك من اجل وضع مبادئ السياسة المصرفية والمالية ؛ و بعد تبوء فيصل عرش العراق ألِّفت لجنة لوضع مسوَّدة دستور للبلاد كان حسقيل أحد أعضائها الثلاثة
ومن ما يروى عن (حسقلة) ساسون أن إعتماد مصروفات الملك فيصل الأول البريدية قد انتهى قبل نهاية السنة المالية فجاء طلب من الديوان الملكي لموافقة المالية على تحويل مبلغ من فصل آخر من فصول الميزانية المخصصة للبلاط الملكي (وليس من أي من مخصصات الدولة الأخرى) فثار (ساسون) لهذا الطلب وأزبد وعربد وسمعه الملك وسأل عن سبب ثورة وزمجرة وزير ماليته فلما أُعلم بالأمر قال: «إنني مبتهج لموقف وزير ماليتي وصلابته. فإذا كان يقف مني هذا الموقف الشديد فأنا مطمئن إلى أنه يقف موقفاً أشد صلابة تجاه سائر الوزراء والموظفين، في التمسك بقواعد المالية السليمة والحرص على خزينة الدولة».
ولقد نعاه معروف الرصافي، في قصيدة طويلة منها:
فقدنا به شيخ البرلمــــان ينجلي به ليله الداجي إذا قام يخطب
وبالمناسبة لم يكن (ساسون حسقيل) وحده من (المكون) اليهودي الذي أستوزر في الزمان (الغابر) حيث كان عزرا الياهو وزيرا ً للتجارة ! عدا عن مسئولين كبار آخرين وأما (المكون) المسيحي فقد كان هناك الكثير منهم . ولكن علينا أن نذكر اليهودي العراقي (إبراهيم الكبير) مدير عام المحاسبة والمالية هو أول مَنْ وضع النقود العراقية عام (1932) بدلاً من الروبية الهندية والليرة التركية.
والحمد لله أن كل ذاك كان في الزمن التخلف عام 1921 ولم يكن العراقيون قد توصل بعد إلى (المحاصصة) ولا (الديمقراطية التفاهمية) ولا (التوافقية) ولا نظرية (المكونات) ولا حكومات الطوائف ولم يكونوا يعرفون بعد (الثقافة الطائفية) ولا إلى آخر صرعة (حكومة الشراكة الوطنية) ولم يحن الوقت في حينه ل(ثائر الله) ولا(غضب الله) عز وجل أن يحل في الشعب العراقي (حاشا الله من ذلك البهتان العظيم) ولم تكن لعنة النفط قد حلت على العراق بعد! وكل ما قرئتموه ليس قصة خيالية بل هو جزء من تاريخ العراق الحديث وجميعه موثق في السجلات العراقية !
ملاحظة مهمة : الذي يريد أن يقارن بين ساسون حزقيل اليهودي وبين أي وزير عراقي آخر (مثقف إسلاميا ًوحزبياً درجة أولى) عليه أن يتحمل مسؤولية ذلك لإستحالة المقارنة وللفارق العظيم طبعاً ...!؟ ... أعوذ بالله ... !!
المتبهلل
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
17/06/2010
