سربست بامرني
يمكن أن يكون الوطني سياسيا، والسياسي وطنياوعلى عكس الأختين يمكن الجمع بين الوطنية والسياسة، ومع ذلك يبقى الفرق النوعي كبيرا. الوطنية قيم ومثل عليا وأهداف نبيلة، والسياسة ضوابط وتكتيكات وأهداف قابلة للتبديل والتغيير. الوطنية اختيار حاسم بين الأبيض والأسود لصالح الأبيض، والسياسة تفضل اللون الرمادي وأحيانا لا لون لها.
الوطنية تضحية ونكران ذات و رغبة واندفاع ذاتي وحرص على الآخرين، والسياسة مصالح وحساب للربح والخسارة و احتراف ومهنة كأي مهنة أخرى وقد تتطلب استغلال الآخرين،حتى بأبشع الصور، فكل الطرق تؤدي إلى روما،والمشكلة تكمن في أن ساستنا في قيادة الأحزاب والحكومة والبرلمان وباسم الوطنية، يرفضون مايخدم الوطن، وإلا فما معنى كل هذه المماطلة والتسويف والتأخير والطرق الملتوية ومحاولات الالتفاف على الدستور، الذي يزعم الجميع انهم متمسكون به، ما معنى حرمان القائمه العراقيه من تكليفها بتشكيل الحكومه رغم كونها القائمه الفائزه في الانتخابات واثبتت بفوزها دون ادنى شك رغبة المواطن العراقي بتجاوز مرحلة المحاصصه العنصريه والطائفيه المتخلفه.
لقد كان من الطبيعي ان تكلف العراقية بتشكيل الحكومة فان استطاعت فبها وان فشلت عندها يمكن تكليف القائمة الثانية الفائزة في الانتخابات وهو العرف الذي سارت عليه كل الديموقراطيات منذ ان وجدت.
مأساة العراق والعراقيين هو في غياب الوطنيه لصالح سياسه وسياسيين لا رابطه لهم مع الوطن، فهذا امريكي الهوى وذاك ايراني الشعور واخر تركي الود، الى جانب كل اولئك الذين يرون في العراق مجرد بيزنز ناجح لا اكثر ولا اقل.
مأساة العراق والعراقيين في جواز مالايجوز في الحياة السياسية والدستورية للبلاد فمن جهه تمارس كل الموبقات بما فيها التصفيات الجسدية والاغتيالات والاعتقالات العشوائيه لابعاد القائمه العراقيه عن تشكيل الحكومه رغم احقيتها وفوزها بثقة الشعب العراقي ورغم حسمها امر مرشحها الدكتور اياد علاوي لرئاسة الحكومه، كل ذلك جائز مادام الامر يتجاوب ومصالح ورغبات هذا الطرف الاقليمي او ذاك لا رغبة الشعب العراقي ومصالحه الحيويه، ولتكريس الامر تقوم المحكمه العليا بصب المزيد من الزيت على النار وتفسر الدستور بشكل ارتجالي متسرع وتقرر اعتبار كتلتين لم تتفق قبل الانتخابات ولا تحت قبة البرلمان وحتى لم تتفق على مرشحها لتولي رئاسة الحكومه على انهما الكتله الاكبر تلبية لرغبة هذه الجهة او تلك، وتدخل البلاد في ازمة دستورية نتيجة هذا القرار المتعارض كليا مع كل الاعراف الديموقراطية وتجربتها التاريخية.
الموضوع ليس تأييد حق القائمة العراقية المشروع اوعدمه فقط وانما في ضرورة التمسك بأسس النظام الديموقراطي الذي اختاره الشعب العراقي والحرص على ممارستها بشكل حقيقي من اجل نجاح العملية السياسية في بلادنا، بغض النظر عن هذا الطرف الرابح في السلطة او ذلك الخاسر في المعارضه، انها مسألة بناء تقاليد تحوز على ثقة المواطن وتكرس احترام القانون والدستور ليصبح سلوكا اجتماعيا عاما.
ان تكليف القائمه العراقيه بتشكيل الحكومه على اساس الاستحقاق الانتخابي هو المحك الذي سيبين مدى تمسك اي جهه بالديموقراطيه وايمانها به، بغض النظر فيما اذا كانت القائمه قادره على تشكيل حكومه تحوز على موافقة البرلمان ام لا، هذا إذا كان هناك فعلا من يهتم بالوطن والوطنيه ويحرص على مستقبل العراق والتجربه الديموقراطيه الوليده ولكن يبقى السؤال اين هم الوطنيون واين هي الوطنيه وهل انتهت لصالح مافيات السياسه المرتبطه بالاجنبي على اختلاف مشاربهم؟ هذا ما ستكشفه الايام القليله القادمه.
*كاتب كردي من العراق ووكيل وزير الثقافة سابقا
