هادي والي الظالمي

لم يعد اللقاء المرتقب بين السيدين اياد علاوي ونوري المالكي ضروريا حسب، بل امسى حتميا ايضا، فاللقاء البروتوكولي الاول بين الرئيسين، والذي اعاد الدفء الى علاقة زعيمي الكتلتين الاكبر في البرلمان، لم يعد كافيا لأطفاء حرائق مشتعلة واخرى محتملة ينذر بها الصيف العراقي الملتهب.
قواعد اللعبة الديمقراطية قد تتيح للفرقاء السياسيين حرية التحرك على مساحات واسعة وممارسة مناورات لاتخلو من الازعاج في معظم الاوقات
، الا ان هذه الحرية تتوقف حتما عند حدود حقل الالغام المتفجر. يبدو ان شركاء العملية السياسية باتوا مدركين انهم بلغوا اليوم هذه الحدود، وان عليهم ان يتوقفوا.
حقل الالغام هذا، هو الذي يجعل اللقاء والتحالف بين ائتلافي العراقية ودولة القانون ممكنا، وربما الاكثر احتمالا. هذه الفرضية، لم تكن في وارد حسابات اغلب السياسيين والمحللين والمهتمين بالشان السياسي حتى وقت قريب، على الرغم من ان المشتركات بين برنامجي هاتين القائمتين تقترب من التماثل او التطابق. قد يعود ذلك الى شخصنة المناصب الرسمية في الثقافة السياسية مما يجعل التدافع عليها اكثر استعارا.
التحالف بين ائتلافي العراقية و دولة القانون لتشكيل الحكومة لم يعد خيارا بين بدائل يمكن المفاضلة بينها، كما كان قبل اسابيع، فالوقت بدأ يتسرب من بين اصابع الجميع بعد مراوحة سياسية دامت لمايقرب من اربعة اشهر، كما ان صبر العراقيين آخذ في النفاد بما يهدد مستقبل العملية السياسية ومصير الطبقة السياسية.
مؤشرات الشراكة بين الطرفين يؤكدها فشل التحالف بين دولة القانون والوطني الذي طفى الى السطح على الرغم من حرص الطرفين في التكتم على هذا الفشل خشية خسارة مكاسب تفاوضية مع الاطراف الاخرى، كما ان اخفاق التحالف الوطني في اقناع الكتل الاخرى ومنها الائتلاف الكردستاني بالتجاوز على الحق الدستوري والانتخابي للعراقية في تشكيل الحكومة يقف وراء تصدع ذلك التحالف و توجه المالكي الجديد نحو العراقية.
الا ان اهم المؤشرات على عقد تحالف من هذا النوع هي املاءات واقع التداعيات الخطيرة التي جعلت الخيارات الاخرى مستبعدة، فالمالكي دون غيره هو الاقرب الى فوهة البركان بفعل مسؤوليته الرسمية التي تجعله في مواجهة الجميع ازاء سيل من المطالب السياسية والحكومية والشعبية المعقدة. وبقراءة الواقع الحالي فان العراقية لاتمثل للمالكي خيارا افضل بقدر ماتمثل طوق نجاة، لا لعبور ازمة تشكيل الحكومة وانما لحماية مستقبله السياسي ايضا. فشركاء المالكي في التحالف الوطني المتداعي، من المجلس الاعلى والصدريين، لم يقفوا عند حدود الصراع السياسي الذي تبيحه قواعد اللعبة في الحصول على المكاسب وانما تجاوزوها الى ممارسة سياسة كسر العظم بقسوة في الوقت الذي يجلسون معه على طاولة واحدة، وهو مالم تفعله العراقية طيلة خلافها المعلن مع السيد المالكي.
المظاهرات الاخيرة التي مثلت مطالب شعبية مشروعة ترتبط بنقص الخدمات الاساسية وتردي الواقع المعيشي للمواطن العراقي جاءت في توقيتاتها بتخطيط وتنفيذ وقيادة احترافية من قبل شركاء المالكي من الائتلاف الوطني، وهو مالم يكن خافيا على المالكي وائتلافه، ويبدو ان التخطيط لاستحواذ الائتلاف الوطني على رئاسة الوزراء يقف وراء هذه المواقف، الا ان المالكي وحزب الدعوة صاروا اكثر ادراكا لحقيقة ان الصراع مع الائتلاف الوطني بقيادة الحكيم والصدر لايرتبط برئاسة الوزراء او المناصب او التشكيلة الحكومية قدر مايمتد الى التنازع حول مستقبل الزعامة السياسية الدينية في الوسط الشيعي التي يراد لها ان تكون حكرا على عائلتي الصدر والحكيم، وهو مايجعل الاستمرار في التحالف بينهم ضربا من المحال. توجه المالكي الجديد نحو التحالف مع العراقية المتمسكة بحقها في تشكيل الحكومة يؤشر تغليب النزعة البراغماتية لدى حزب الدعوة وزعيمه في التنازل عن مطلب رئاسة الوزراء مقابل الحصول على مكاسب لايمكن الحصول عليها بالشراكة مع الائتلاف الوطني.
التوليفة الجديدة تلقى دعما امريكيا كونها تبتعد بالحكومة القادمة عن الارتماء في الحضن الايراني، كما انها تقابل بارتياح اكبر في الاوساط الشعبية التي تتطلع الى كسر القالب التقليدي في المحاصصة السياسية، وهو ما صوت له اغلب العراقيين في الانتخابات السابقة.
العقبات التي تعترض البرنامج الحكومي المشترك للقائمتين ستكون اقل حضورا اذا ماتم تجاوز عقبة رئاسة الحكومة، فالبرامج السياسية لكلتي القائمتين تعتمد ذات الثوابت الوطنية في محاورها الاساسية، الا ان شكل الشراكة مع القوائم الاخرى وخصوصا التحالف الكردستاني ربما يكون العائق الاكبر في وجه المخارج التي تنفتح امام تحالف العراقية ودولة القانون، سيما مع حرص الاطراف السياسية على الحفاظ على اجواء توافقية في هذه المرحلة.
اعتقد ان التطورات التي افرزتها ماعرفت بانتفاضة الكهرباء تظهر بقوة الحاجة الماسة الى الاسراع بتشكيل الحكومة وفق السياقات الدستورية لمنع الانزلاق الى حالة من الهياج الشعبي تجعل التوازنات تقوم على اسس مختلفة. الدكتور اياد علاوي، والسيد نوري المالكي يدركان هذه الحقيقة، ويمتلكان الحكمة والارادة للتفاعل معها.
