عدنان حسين
هو يوم عراقي كبير ولا شك.. السابع من آذار (مارس) 2010.. هو الخامس من نوعه في غضون خمس سنوات متتالية، لكنه يوم كبير لأنه يضيف دعامة أخرى للجسر الذي يعبر بالعراق من حقبة إلى أخرى.. من حقبة مظلمة طويلة للغاية في تاريخ العراق إلى حقبة وضاءة، من حقبة حفلت بكل ما هو ثقيل الوطأة ومهين ومشين وغير إنساني إلى حقبة سيكون فيها مجرد ذكرى من الماضي الفقر والتخلف والظلم والعسف والاضطهاد والاستبداد التي خيّمت على حياة العراقيين قرونا متصلة.
لم تأتِ السنوات السبع الماضية بالصورة التي كان يريدها العراقيون، الذين أرهقتهم كثيرا العواقب الوخيمة لحروب صدام حسين وسياساته الشنيعة.. لم تحمل معها الآمال العراض والأحلام الوردية المنتظرة طويلا، لكن مع هذا سيكون هذا اليوم يوما عراقيا كبيرا، لأن خطوة أخرى ستنجز على طريق المستقبل الواعد بتحويل الآمال الكبيرة والأحلام اللذيذة إلى واقع.
ليس من السليم، ولا من الإنصاف النظر إلى الأشياء من خرم إبرة. نعم لقد حفلت السنوات السبع الماضية بالكثير من الأخطاء والخطايا، لكن هذا لا يقلل من أهمية ما يجري اليوم، وهو انتخاب برلمان عراقي جديد... أخطاء وخطايا السنوات السبع الماضية لا تزكّي نظام صدام، فكل ما يحدث في العراق الآن هو بعض من عواقب ما اقترفه نظام البعث على مدى أربعة عقود.. ما يحدث هو بمثابة هزات ارتدادية ناجمة عن الزلزال المدمر الذي أحدثه نظام البعث.
أخطاء وخطايا النظام العراقي الجديد ترجع أيضا إلى أن ما جرى في السنوات السبع الماضية كان مخالفا لما تطلّع إليه الشعب العراقي، وعمل لأجله، وهو إقامة نظام ديمقراطي، فيما العملية السياسية الراهنة تأسست على المحاصصة الطائفية تجاوزا على قانون الديمقراطية. واليوم- كما في كل عملية انتخابية يتاح فيها للشعب أن يعبّر عن رأيه، وموقفه- سيتعرض نظام المحاصصة إلى صدع جديد، وهذا ما يجعل هذا اليوم يوما عراقيا كبيرا.
اليوم سيذهب العراقيون إلى صناديق الاقتراع ليختاروا ممثليهم في مجلس النواب، في ممارسة هي الخامسة في خمس سنوات .. الأولى كانت في كانون الثاني(يناير) 2005 لانتخاب الجمعية الوطنية، والثانية في تشرين الأول (أكتوبر) 2005 للتصويت على مشروع الدستور الدائم، والثالثة في كانون الأول (ديسمبر) 2005 لانتخاب مجلس النواب، والرابعة في كانون الثاني (يناير) 2009 لانتخاب أعضاء مجالس المحافظات.
هذا الطابور المتصل من الانتخابات لم يشهد العراق مثيلا له في تاريخه القديم والحديث على السواء. آخر انتخابات تشريعية يمكن وصفها بالحرة، جرت في منتصف الخمسينيات، لكن نوري السعيد والأمير عبدالإله، رجلي العراق القويين في ذلك الوقت، ومعهما السفير البريطاني صاحب الكلمة عليهما، قرروا حل مجلس النواب المنتخب قبل أن يباشر عمله، لأن بعض الذين انتخبوا كانوا من يسار الوسط، وكل يسار في ذلك الزمان كان غير مرغوب فيه.
بعد ذلك لم يعرف العراقيون كيف يحلّون مشكلاتهم وخلافاتهم الكثيرة إلا بقوة السلاح، وبسفك الدماء، وبالقمع والاستبداد، والتعذيب في المعتقلات.. وطوّر نظام حزب البعث ذلك إلى الإبادة الجماعية بالغازات السامة وبالدفن الجماعي للأحياء تحت رمال الصحراء، أو في الأراضي السبخة.
ما يحدث اليوم، السابع من آذار 2010، أن العراقيين يتمرنون للمرة الخامسة خلال خمس سنوات متوالية على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وليس إلى السلاح، أو المعتقلات والسجون، أو وسائل التعذيب، لحل خلافاتهم ومشكلاتهم واختيار من يحكمهم ويشرع قوانينهم... وهذا ما يجعل هذا اليوم يوما عراقيا كبيرا.
