ماريو أنور

يتبين لنا إذا ما استعرضنا تاريخ الكون عند الانفجار المعروف بـbig bang الذى أبرزه إلى الوجود منذ نحو 15 ملياراً من السنين و تأملنا فى الشوط الهائل الذى قطعته المادة , انظلاقاً من حالتها الأولى حيث كانت تقتصر على المقومات البدائية للذرة وهى المعروفة بالـ quarks , وصولاً إلى دماغ البشرى الذى يفوق بما لا يقاس , بتركيبه الذى هو آية فى التعقيد , اكثر الأدمغة الالكترونية دقة و إحكاماً , والذى يسعه , من جراء ذلك , أن يستعيد و يستوعب , بحجمه الصغير , مسيرة الكون كلها
, إذا تأملنا ذلك كله , يتبين لنا أن الكون سلك , عبر هذا الزمن السحيق الذى انقضى على وجوده , خطاً تصاعدياً بدأ العلم يتبين معالمه بجلاء منذ القرن الماضى فسماه خط (( التطور )) أو (( النشوء و الاتقاء )) .
هذا الخط عبارة عن سير متواصل الاتجاه , رغم تشعباته , سلكته المادة نحو قدر متزايد من التجميع و التكثيف و التركيز و التعقيد و التسيق , ما سمح ببروز تركيبات لها متعاقبة , أكثر فأكثر رقياً و تنظيماً , من العناصر الأولية ( كالبروتون و الالكترون و النترون ) , إلى تكتل هذه العناصر فى ذرات خفيفة ( كالهيدروجين ) ثم فى ذرات ثقيلة , إلى الجزئيات التى تجمع الذرات فى وحدات بسيطة , الى الجزئيات الضخمة المعقدة التى تتكون منها المواد العضوية , إلى الخلية الحية التى تندمج ضمنها هذه الجزيئات الضخمة وفق هندسة تنسيقية عجيبة تجعل من هذه الوحدة المجهرية الحجم كياناً متفوقاً ,من حيث تركيبه , على أضخم الشموس , إلى تجمع الخلايا البسيطة لتؤلف كائنات متعددة الخلايا انطلقت بها الحياة إلى تحقيق أنواع أكثر فأكثر رقياً , إلى ظهور الجهازالعصبى , وهو الأداة الأساسية للتنسيق و التركيز , اللذين بلغا ذروتهما فى الدماغ البشرى الذى توج المسيرة بقدرته على وعى المادة التى آل اليه و التحكم بها وفقاً لأغراضه ....
هذا الشوط الارتقائى الهائل اجتازته المادة بموجب كيانها الذاتى , أى بفعل خصائصها و مواصفاتها و نواميسها و تفاعلاتها . كل ذلك شأن العلم , والعلم وحده , أن يستقصيه و يجلوه , وهو يفعل ذلك تدريجياً . انه ميدانه , ومن العبث إقحام الله فى السياق , كما كان يروق لبعض المتدينين ان يفعلوا , إذ كانوا ينسبون إلى تدخل إلهى مباشر كل ما كلن العلم عاجزاً مرحلياً عن تفسيره , فيلوذون بالله لسد ثغرات المعرفة البشرية فى مجال هو مجالها . كان هذا التصور لله كسادً لثغرات العلم مهيناً للعلم و لله فى حد سواء , وكان يوحى خطأ بتقهقر مجال الله فى كل مرة يتوصل فيها العلم إلى احتلال موقع من ميدانه لم يكن قد شغله بعد .
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
