المحامي سليمان الحكيم

شاءت الظروف أن أرجع إلى بغداد بعد غياب قصير لأمور تتعلق بعملي قدّرت أني سأنجزها في أيام قليلة, ولكني فوجئت أنه يتعين عليّ الانتظار لأسبوع كامل سوف تتوقف فيه دوائر الدولة عن الدوام وتتعطل الأعمال وتغلق الشوارع الرئيسة ؛ إنها باختصار حالة طواريء عامة غير معلنة بمناسبة إحياء ذكرى وفاة الإمام موسى بن جعفر سليل الدوحتين النبوية والعلوية والعَلم البارز والمشعّ في صفحات تراثنا العربي والإسلامي.
كانت العراقيون في عهود ما قبل الدولة الطائفية يحتفون بمثل هذه المواسم بمبادرات ذاتية وبأسلوب تلقائي هادئ وكلّ على طريقته دونما تحريض وتحشيد وترغيب من قبل سلك الكهنوت , وبلا منع وترهيب وتعويق من قبل مؤسسات الدولة , وفي واقع الأمر كانت مسألة السير على الأقدام لزيارة الأئمة مقتصرة على الروضة الحسينية لإحياء ذكرى البطولة والثبات على المبدأ واستشهاد صاحبها عليه السلام , وكان المؤمنون يفدون إليها من أقصى جنوب العراق ومن قصبات بغداد قاطعين المسافات البعيدة آمنين تتلقاهم على طول الطريق المضايف والاستراحات . و لا يملك أحد الاعتراض على رغبة زوار الأئمة والرموز الدينية في قصدهم بأية وسيلة يشاؤون ذلك أنهم أحرار كشأن كل الخليقة في ممارسة طقوسهم الروحية خاصة وأنهم لا يتعرضون لأحد بأذى ولا يتجاوزون على حرية أحد ولا على حقوقه, وما تعرّض مجرمي القاعدة لهم بالمفخخات والعبوات إلا استكمالا لمخطط هذا التنظيم المشبوه في تمزيق الوحدة الوطنية العراقية ومواصلة خدمة المشروع الاسرائيلي لتفتيت العراق ؛ ولكن يجب أن نتوقف هنا للتمييز بين حرية دينية هي حق مطلق لكل إنسان وبين مظاهر دينية مدفوعة الأجر من قبل مؤسسات وقوى طائفية باشرت منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي للعراق في تسخير الطائفية والدين من أجل خدمة سياسات خارجية بالدرجة الأولى.
فمنذ العام 2003 وقيام دولة الطوائف اختلف الوضع كلية في العراق , إذ بدأت تلك الزيارات تتسم بطابع المبالغة والتزيّد والإسراف بالمظاهر وبالتفنن في ابتداع الطقوس بحجة أن الشيعة إنما يعوّضون سنوات مظلوميتهم وحرمانهم في العهود السابقة , والله يعلم والصادقون من العراقيين يعرفون أنه لم يجر يوماً قمع طقس ديني لأية ملّة في العراق منذ تأسيس الدولة وحتى العام 2003 المشؤوم . ولا أجد حرجاً أن أضرب مثالا بنفسي , فأنا أقيم منذ ربع قرن في حيّ الوزيرية وهو من أحياء بغداد التي يغلب عليها أهل السنّة , ولم ينقطع بيتي سنة واحدة عن إحياء يوم العاشر من محرّم وسواه من المناسبات سواء بتوزيع الطعام أو بالقراءات الدينية , ولقد كان جيراننا وأصدقاؤنا بمختلف انتماءاتهم الدينية والسياسية والاجتماعية يتوافدون علينا في تلك الأيام لمشاركتنا تلك الطقوس التي ورثناها عن أصولنا النجفية . وكانت زيارات عائلتي لمراقد الأئمة المنتشرة في مختلف مدن العراق جزءاً من تقاليدنا نقوم بها في المناسبات الدينية وفي الأيام العادية دون أن يخطر في البال أنها قد تثير حفيظة السلطة أو تساؤلات أجهزتها.
واليوم فها هو أسبوع بأكمله تتوقف فيه الحياة العادية وتتعطل فيه الأعمال في سائر العراق من أجل إحياء وفاة الإمام الكاظم , ولما كان لدينا اثنا عشر إماماً يحرص النظام الطائفي على بدعة الاحتفاء بهم جميعاً ولادة ووفاة فهذا يعني اثني عشر أسبوعاً في السنة مضافاً إليها يوم وفاة جدهم رسول الله ويوم مولده ويوم استشهاد أبيهم الإمام علي بن أبي طالب ويوم مولده , وشهر رمضان الذي لا يعمل فيه موظفو الدولة بحجة الانقطاع للعبادة , وعيديّ الفطر والأضحى , ويوم الغدير ويوم وفاة السيدة فاطمة الزهراء وعيد السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية , ثم يلحق بذلك كله يوم الأربعين لكل وفاة إمام ناهيك عن مفاجآت قد تطرأ مثل وفاة مرجع كبير أو مسؤول مهم أو إجراء انتخابات عامة أواستفتاء شعبي . كل هذه المناسبات هي أيام عطل رسمية تستهلك في مجموعها ما يقارب الأربعة شهور سنوياً في دولة هي بأمسّ الحاجة لكل ساعة عمل حتى تلحق عصراً تخلفت عنه ما يناهز قرناً من الزمن.
لقد صرف الوقف الشيعي عشرة ملايين دينار لكل صاحب موكب مشترطاً عليه مقابل تلك الثروة الصغيرة أن يحشد مالا يقل عن خمسة آلاف زائر , وجرى صرف مبالغ لكل صاحب مضيف كذلك , وبالطبع فإنه لا ينال هذه الحظوة إلا المقربون والمحاسيب والأزلام . وقام النظام الطائفي بتسخير كل مرافق الدولة لخدمة طقوس المناسبة , فمنذ ليلة الاثنين جرى نشر المدرعات ومفارز الجيش والشرطة وآلياتهما على طول الطرق التي سيسلكها الزوار , وقطعت الكهرباء لأيام بطولها عن معظم أحياء بغداد من أجل توفيرها بصورة مستمرة لمدينة الكاظمية وجوارها , وانتشرت الطائرات المروحية في سماء بغداد لمراقبة مواكب الزوار وحمايتها , وتفرغت القنوات التلفزيونية والإذاعية لبث تفاصيل الحدث , وتعهدت وزارات النقل والتجارة والداخلية بوضع حافلاتها وشاحناتها وآلياتها لنقل الزائرين في رحلة إيابهم إلى مناطق سكناهم , كذلك استنفرت وزارة الصحة كل مرافقها تحسباً لأي طارئ . صارت الدولة بأسرها خلية نحل مشتعلة بالحماس لإنجاح زيارة الإمام الراحل . وتثور هنا تساؤلات عن جيش يمتلك مدرعات وينشرها في شوارع العاصمة لإحياء مناسبة دينية – مع كل الإحترام الواجب لآل بيت النبوة – ولكن هذا الجيش لا يحرّك مدرعاته لصدّ اختراقات أجنبية لحدود بلاده الشرقية والجنوبية , ولا لحماية آبارها النفطية ومياهها الاقليمية ولا لصيانة حرمة أجوائها وحقوقها في مياه أنهارها . إن هذا الجيش العاجز عن القيام بواجبه الحقيقي في حماية بلاده يجد نفسه مسخّرا بكل قدراته لخدمة أغراض مؤسسة كهنوتية لا يعلم إلا الله من نصّبها في حوزاتها وأين تصبّ أموالها ومن أين تأتيها الأوامر ! و تُطرح كذلك تساؤلات عن جهاز شرطة يشارك ذلك الجيش في مهمته تلك وقد تلطى أفراده وراء مزاعم إيمانية ولكنهم بمجموعهم كتلة من الفاسدين الذين لا يجدون حرجاّ ولا حرمة في ابتزاز مواطنيهم ولا في الارتشاء والإثراء من المال الحرام.
إن الأمر برمّته لا يعدو عن تسخير أدوات العلم من أجل تكريس الجهل , واستغلال مخترعات التقدم والمدنية من أجل ترسيخ التخلف والرجعية والظلام , واستنفاذ أعمار الأحياء لإعمار أضرحة الراحلين , والارتداد بالدولة من إطار العصر إلى أزمنة ملوك الطوائف وبابوات العصور الوسطى , إنهما طبقتان منحرفتان متسلطتان على البلد من السياسيين ورجال الدين تتخادم كل واحدة مع الأخرى وتتستر عليها وتغطيّ عوراتها . وأتساءل هنا , لماذا يكدح الفقراء على أقدامهم تحت شمس تموز الحارقة في حين يرفل محرّضوهم على ذلك التعذيب للذات في قصورهم ناعمين برغد العيش ؟ لماذا لم نر أحداُ من أفراد النخبة الحاكمة ولو من صفها الثالث يشارك في واحد من هذه المواكب فتحترق قدماه ويسيح دماغه في هذا الطقس اللاهب طلباً للثواب وحسن المآل ؟ لماذا لا يكون أحدهم كما كان رسول الله أسوة حسنة للمؤمنين ؟ والجواب هو أن النخبة الحاكمة وغطاءها الطائفي ليسا معنيين بأحوال البلد ولا بهموم أهله , فرزقهما يأتيهما رغداً من رواتب خيالية وسرقات ورشاوى وأخماس بأرقام فلكية وعطايا بلا حساب تأتيهما من الجار القريب أو من السيد البعيد , ولهذه النخبة – التي عملت منذ الأول الذي ابتلي بها العراق على جعل كل أرضه كربلاء وكل أيامه عاشوراء – أسبابها لتكريس الطقوس الطائفية والمبالغة فيها وتثبيتها كجزء من حياة العراقيين , وهي أسباب لا علاقة لها برضا السماء ولا بالولاء لأنبيائها.
ــــ إنها تريد إقناع الناس بأن الحياة الدنيا ليست إلا معبداً مكرّساً لممارسة الطقوس الطائفية , والنعيم إنما هو في الحياة الآخرة , وعلى ذلك فلا محل للمطالبة بترف السكن اللائق ومياه الشرب النظيفة والشارع المعبّد والمدرسة النموذجية.
ــــ إن النظام القائم يدرك أنه يفتقد للشرعية الشعبية والسياسية والقانونية وحتى الأخلاقية ولم يبق له سوى الشرعية الطائفية يستند إليها في تبرير بقائه , ولهذا السبب فإنه يجتهد في إثارة الغرائز و النعرات الطائفية لدى شعب باتت نسبة الأميّة فيه تتجاوز 70% من مجموعه.
ــــ تعميق التمايز لدى العراقيين والإيحاء للشيعة منهم بأنهم مختلفون عن بقية مواطنيهم بثقافتهم وعاداتهم وطقوسهم ورموزهم , وأن المحدد الطائفي هو الذي يشكّل أساس هويتهم وهو الذي يربطهم بالجار الشرقي الذي يشاركهم ذلك المحدد بشعائره ورموزه وموروثه , وأنه محدد له أولوية على ما سواه من روابط دينية أو قومية أو انسانية.
ــــ إن النظام الطائفي فشل في تحقيق أي إنجاز وعلى أي مستوى بل لعله رجع بالبلد عقوداً إلى الوراء , وهو يجد في المناسبات الدينية فرصة مجانية لإيهام الناس بأنه موجود وقادر على حماية ندائهم الروحي وإشغالهم بمناجاة السماء عن سوء واقعهم على الأرض .
............ ......... ...
............ ......... ...
لم يذكر لنا التاريخ ولا كتب السير أن أحداً من الأئمة قد سار على قدميه إلى مرقد أبيه أو أحد من أجداده في ذكرى رحيله , بل إنه على وجه اليقين لم يقم أحد من أئمة بيت النبوة بإقامة مثل هذه المراسم و الطقوس التي نشهدها اليوم لا احتفالا بميلاد ولا حزنا وعزاء في ذكرى وفاة , وكيف يتأتى لهم ذلك والعراق لم يعرف هذه البدع إلا بعد أربعة قرون من نزول وحي السماء على نبي الإسلام وذلك على يد عضد الدولة البويهي الديلمي في القرن الرابع للهجرة ؟
كان أئمة آل البيت يوصون بإحياء أمرهم قاصدين بذلك السير على نهج جدهم النبي وأبيهم الإمام وذلك بالزهد والتقوى والاستقامة والأمانة والصدق وطلب العلم وتحكيم العقل ومقاومة الظلم وحفظ بيضة الوطن وصون كرامة الإنسان وحريته وحقوقه , ترى هل تنطبق خصال بيت النبوة على واحد ممن يتمسحون بهم من رجال النخبة الحاكمة اليوم ؟ وهم الذين نهبوا الثروات الطائلة وفرّطوا بسلامة الوطن وأهدروا كرامة المواطن ونشروا الجهل والخرافة بين الناس ليتسنى لهم التسيد عليهم . لست أشك أنه لو قيّض للإمام موسى بن جعفر أن يشهد ما يحدث اليوم في العراق لتخلى عن لقبه " الكاظم " وامتشق السيف لتطهير أرض أجداده من الرجس الذي حلّ عليها.
11-7-2010
