فنون
سينما و مسرح
السينما العراقية .. إعادة حياة
| السينما العراقية .. إعادة حياة |
|
|
|
| فنون - سينما و مسرح | |||
|
قاسم حول * بعد سقوط النظام العراقي الذي كان يهيمن عليه حزب البعث العربي الإشتراكي، سعت جهات غير مشخصة إلى تدمير البنية التحتية للوطن والمجتمع العراقي. وقد أصاب السينما العراقية ما أصاب الثقافة العراقية في قطاع ألآثار والمخطوطات والبرامج التلفزيونية والإذاعية. فماذا حصل للسينما العراقية على وجه التحديد؟ لقد إختفت كاميرات السينما وهي كاميرات متطورة وحديثة بقياسيها الـ 16 ملمتراَ "أريفلكس SR والـ 35 ملمتراَ – أريفلكس BL . كما أختفت أجهزة الصوت الحرفية المتزامنة مع الصورة وهي مسجلات "الناجرا" السويسرية المتطورة. وإختفت الميكرفونات والإكسسوارات الملحقة بالمعدات وأجهزة إستقبال الصوت ""wireless كما إختفت الأفلام السينمائية العراقية بشقيها السالب والموجب. وأحرقت الملفات الخاصة بالمنتسبين وما تحتويه الملفات من تقارير ربما خطيرة وسرية. وبثت من خلال الفضائيات مشاهد لكومة من الأفلام السينمائية التالفة التي تبدو محترقة. وأظنها عملية تمويه لسرقة! مع الوقت بدأت المعلومات تتسرب عن الأشخاص الذين أستولوا على المعدات السينمائية والصوتية. أما حكاية الأفلام المحترقة فإن المشاهد لكومة من أشرطة السينما والتي بدت سوداء فإن الفيلم السينمائي المصنع من مادة السليلود ونترات الفضة سهل الإشتعال والإحتراق وعندما يحترق الشريط السينمائي فأنه يتحول إلى مادة من الرماد لذلك فإن الأشرطة التي بدت سوداء وكأنها محروقة فهي ليست سوى ألوان الدخان الذي غير شكلها بمعنى أن النار لم تمسسها وإلا لكانت أشتعلت بسرعة وتحولت إلى رماد. المعدات السينمائية يمكن شراؤها ويمكن أن يستدعى الذين سرقوها لإعادتها أو تدخل السلطات القضائية في إعادتها أو إعادتها عبر الإنتربول الدولي في حال كانت بحوزة أشخاص هربوا خارج العراق. لكن ما لا يمكن إعادة الحياة إليه هو الفيلم السينمائي في حال عدم توفر أي شكل من الـ " "Formالموجب أو الرقمي الذي يمثل تاريخ العراق وتاريخ الثقافة العراقية وتاريخ المخرجين العراقيين وحقوق المنتجين وحقوق ملكية الأفلام. في مؤسسة السينما العراقية فئتان من الأفلام بشقيها السالب والموجب. الفئة الأولى هي الأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما العراقية والتي تمثل نشاطات المؤسسة ومنها على سبيل الأمثلة "الظامئون، الرأس، النهر، بيوت في ذلك الزقاق، الجابي، القناص، شايف خير، الأسوار، المنفذون، القادسية، الأيام الطويلة، يوميات حرس قومي في بغداد، جسر الأحرار وغيرها من الأفلام الروائية إلى جانب عدد كبير من الأفلام التسجيلية والمجلة السينمائية التي تمثل تاريخ العراق المصور وربما كانت تحوي على مشاهد أصبحت قيمتها الوثائقية اليوم غاية في الأهمية والخطورة. الفئة الثانية من الأفلام هي الأفلام التي أنتجها القطاع السينمائي الخاص والمنتجون المحبون للسينما والمؤسسات الإنتاجية وهذه الأفلام لم تكن في بداية إنتاجها مخزونة لدى مؤسسة السينما العراقية بل أن أغلبها موجود في أرشيف ستوديو "هاماز" في الطريق بين العاصمة بغداد وبغداد الجديدة. حيث كان هذا الأستوديو الذي يملكه الأرمني "هاماز" والذي كان حارسا في ستوديو بغداد عام 1946 والمعروف بإسم "عمو حمزه" قد أنشأ هذا الأستوديو بعد أن ألغي ترخيص ستوديو بغداد بتهمة التجسس لصالح الدولة العبرية والقريب من معسكر الرشيد فأشترى عمو حمزة معدات التحميض والطباعة وأطلق على الأستوديو إسم "ستوديو هاماز" وبعد وفاته الأستوديو وهجرة أبن أخيه المخرج "شيراك خوجه يان" إلى أمريكا بقيت الأفلام داخل مبنى الأستوديو وسكن في الأستوديو شخص بمثابة الحارس على الأفلام والمعدات السينمائية والصوتية متخذاَ من الأستوديو مقراَ لسكناه. ومن هذه الأفلام على سبيل الأمثلة "عروس الفرات، فتنه وحسن، من المسئول، أرحموني، عفره وبدر، ندم، ورده، تسواهن، أدبته الحياة، أنا العراق، الدكتور حسن، إرادة الشعب، وغيرها من الأفلام الروائية ولا توجد في هذا الأستوديو أفلام تسجيلية." وبعد أن أعلن عن إحتراق الأفلام السينمائية أبان دخول القوات الأمريكية والبريطانية للعراق وفقدان تلك الأفلام العراقية . وبعد أن شعرت بالكارثة التي حلت بتاريخنا إتصلت بأبن أخ صاحب الأستوديو بعد أن حصلت على عنوانه في أمريكا، سألته عن مصير أفلامنا في ستوديو هاماز، فأبلغني بأنه أبان فترة حكم الدكتاتور العراقي وحزبه. جاء إلى ستوديو هاماز فريق من مؤسسة السينما العراقية مع سيارات شحن ووقفوا أمام الأستوديو وطلبوا من الحارس أن يفتح لهم باب الأستوديو، ففعل وتم نقل كافة الأفلام بأصولها السالبة ونسخها الموجبة وأشرطتها المغناطيسية والضوئية إلى السيارة وأخذت إلى مؤسسة السينما العراقية في عملية سطو سلطوية ضد حقوق المواطنين. وهذا يعني أن كل الأفلام العراقية أصبحت بحوزة مؤسسة السينما العراقية. الأفلام المنتجة من قبل الدولة ومؤسستها السينمائية والأفلام التي أنتجها الأفراد والمؤسسات الخاصة. وفي ذات الوقت إختفت أشرطة الفيديو من مخازن مؤسسة التلفزيون وتم شراؤها بثمن بخس ونقلت إلى خارج العراق ببرامجها الدرامية والغنائية وببرامجها الوثائقية – الأخطر! وصارت بعض تلك البرامج والوثائق تعرض من قبل بعض القنوات الفضائية! نحن في هذه الحالة أمامنا تاريخ مفقود يتمثل بـ : الأفلام الروائية العراقية. الأفلام الوثائقية العراقية. البرامج التلفزيونية العراقية وغير العراقية. الأغاني المصورة العراقية وغير العراقية. المجلات السينمائية والجرائد السينمائية والتلفزيونية المصورة والتي تمثل تاريخ توثيق العراق. في عام 1976 إنعقد في برلين عاصمة الدولة الإشتراكية الألمانية مؤتمر للأرشيف وكنت أحد المشاركين في المؤتمر وأحد الذين صاغوا وثيقة المحافظة على التاريخ الإنساني من خلال أرشفة هذا التاريخ وحفظه من التلف أو ألضياع لأسباب تتعلق بالكوارث والحروب. وقد بادرت الحكومة الألمانية الأتحادية بعد توحيد الألمانيتين بدعم حفظ الأفلام الروائية والوثائقية الفلسطينية بعد الحرب على لبنان وغزوها عام 1982 كما طالب عدد من المخرجين الفرنسيين بحمايتنا نحن المخرجين في بيروت وإنقاذ أفلامنا من التلف والدمار في وثيقة نشرت في حينها في الصحف العالمية. من هذا المنطلق إتصلت بالسيد وكيل وزير الثقافة العراقية وطلبت منه أن نتعاون في البحث عن أفلامنا المفقودة وكتبت رسالة للوزارة بهذا الصدد. أبلغني السيد وكيل الوزير بأن إمكانيتهم المالية لا تسمح بتوفير غطاء مالي لتحركنا في اوربا في محاولة للبحث عن الأفلام والسعي عبر المنظمات الدولية وأقسام السينما في وزارات الثقافة لجمع أفلامنا وإنقاذها إلى حين يستقر الوضع العراقي وتتأسس مكتبة سينمائية ومكتبة أرشيفية للسينما العراقية! طبعا غريب، وليس غريبا أيضا، أن أتلقى رداَ سلبيا عنوانه عدم توفر المال الذي لا يساوي بضعة آلاف من الدولارات لتحقيق هذا المقترح المتعلق بإنقاذ تاريخ العراقي المرئي والبحث عن نسخ من الأفلام المفقودة! أين يمكن أن نجد الأفلام العراقية المفقودة .. وهل احرقت فعلا أم أنها مفقودة!؟ وكيف يمكن الحصول عليها وإعادة الحياة إليها كلا أو بعضا في حال احرقت؟ وكف يمكن الحصول عليها وإعادة الحياة إليها في حال سرقت؟ في حال سرقت الأفلام فإن مؤسسة السينما العراقية مسئولة عن كشف السارقين، لأن هذه الأفلام معروضة للبيع في السوق العراقية وعمليات البيع والشراء هذه غير ظاهرة للعيان في كثير من الأحيان. المسئولية هنا قانونية حيث يمكن إحالة السارقين إلى الجهات القضائية وإستعادة تلك الأفلام التي لا أحد يعرف أن كانت هي فيلم سالب أم فيلم موجب، وفي حال الفيلم السالب فهل يوجد صوت مغناطيسي أو ضوئي إلى جانب الصورة حتى يمكن طبع الفيلم بطريقة صحيحة ونظامية؟! دائما وفي الظروف الصعبة يبدأ المرء بالتفكيرعن حلول لحياته الإنسانية أو الثقافية أو كليهما. بدأت أضع تصورات ونقاط بحث عن الأفلام العراقية. لنأخذ مثال فيلم "الحارس" وهو من إنتاج مؤسستي "افلام اليوم" هذا الفيلم سبق وأن بعناه مقايضة مع فيلم سوري هو "سائق الشاحنة" وتوجد منه نسخة في مؤسسة السينما السورية وطبعا النسخة موجبة "بوزتيف – نسخة عرض" والفيلم أنتجناه عام 1967. ويوما كنت ألقي محاضرة عن السينما في عمان في الأردن وبالحديث عن فيلم الحارس جاءتني ورقة وأنا على المنصة من أحد المشاهدين يقول فيها توجد عندنا نسخة سينمائية من فيلم الحارس في صالة السينما. هذا يعني وجود نسختين بوزتيف من الفيلم واحدة في سوريا والثانية في عمان بالأردن. صحيح أن مصير النيكتيف غامض ولكن في الأقل توجد نسخة بوزتيف. المخرج السينمائي العراقي كاميران حسني الذي أنتج وأخرج فيلم "سعيد أفندي" طبع الفيلم في بريطانيا. وأشك أن الاستوديوهات البريطانية تحتفظ بالأفلام لمدة طويلة فعلى الأغلب أن نسخ الفيلم السالبة قد نقلت إلى بيت المخرج وقد إستفسرت عن النسخة فقيل لي توجد علب سينمائية كثيرة في بيت المخرج في إحدى غرف البيت وبالتأكيد فإن تلك العلب هي فيلم "سعيد أفندي" و فيلم "مشروع زواج". سألت زوجة المخرج الراحل كامل العزاوي وهي السيدة لطفية الدليمي فاخبرتني أن لدى أولادها نسخة من فيلم "نبوخذ نصر" وهو أول فيلم عراقي بالألوان وتاريخي. عبر وسائل البحث هذه يمكن الإستدلال على نسخ من الأفلام العراقية المفقودة كلها أو بعضها، وهناك وبطريق الصدقة توجد نسخ من أفلام روائية عراقية على أشرطة مغناطيسية متناثرة هنا أو هناك. وعندي على سبيل المثال أيضا نسخ رقمية من فيلم "الأهوار" و "بيوت في ذلك الزقاق" وكلا الفيلمين من إخراجي وإنتاج مؤسسة السينما العراقية. عندما باشرت في فرنسا بالتحضير لفيلم "المغني" الذي دعمت إنتاجه مؤسسة الآرتي الفرنسية وبعد أن توطدت العلاقة مع المؤسسات الثقافية الفرنسية وبعد أن تولى الزميل المخرج عامر علوان إدارة إنتاج الفيلم واعطيته الدور الأول – دور المغني في الفيلم تمكن وهو الذي درس الإخراج السينمائي في فرنسا من إقناع مؤسسة الـ "CNC" أي مركز السينما الوطنية في فرنسا من دعم مشروع إعادة الحياة للأفلام العراقية. وسوف تأخذ هذه المؤسسة على عاتقها جمع المتوفر من الأفلام العراقية وتنظيفها عن طريق الغسل الفنية ومن ثم الترميم "عملية الترتيش اليدوية للمادة السليلودية" وعملية التصحيح عبر برامج الحاسوب وطبع نسخ سالبة وموجبة من الأفلام وأرشفتها وحفظها بطريقة نظامية على نفقتها لصالح العراق! ونحن الآن في بحث مستمر عن نسخ من الأفلام العراقية وبالتأكيد سوف يكون لمؤسسة السينما العراقية ورئيسها الدكتور شفيق المهدي دوراَ هاماَ في محاولة توفير الأفلام والتعاون مع المؤسسة الفرنسية وبالتنسيق معنا من أجل إعادة الحياة للسينما العراقية ممثلا بتاريخها. وسيكون لنا بحث قادم عن وسائل إعادة نهوض السينما العراقية إنتاجيا وفق أسس حديثة فترسيخ قيم الثقافة العراقية هي مسئولية تاريخية وإنسانية لأن الثقافة تمثل هوية الوطن فعندما تسقط السياسة يسقط النظام وعندما تسقط الثقافة يسقط الوطن! سينمائي عراقي مقيم في هولندا التعليقات (0)
![]() أضف تعليق
![]()
|








