
تحسين ياسين
تتوكأ على أمها عبثا تحاول السير بهذا الجسد الذي أنهك نصفه الأعلى، الأقدام، مثقل على ما يبدوا هذا الجسد بالألم، رويدا تسير في محاولة منها إثبات أن انعطاب الجسد لا يعني الفتك بالروح، شال اسود يغطي جزء من وجه قمحي اللون وأقدام نصف منفرجة تريد أن تثبت أن لها حصة في أن تدوس الأرض كباقي الأقدام المتزاحمة عليها. أمل احمد مصطفى ياسين (21) عاما من قرية عانين شمال فلسطين تفتش عن من يسمع أنين روحها التي ملت مهنة الانتظار
ووعود الأطباء اليائسة في تحسن صحتها.
داهم أمل مرض ضمور العضلات قبل خمس سنوات عندما كانت في الصف العاشر بعد أن بدأت تشعر بالتعب والإرهاق أثناء ذهابها للمدرسة أو إلى أي مكان آخر، وكانت الفاجعة الأولى لها عندما سقطت على الأرض أثناء توجهها إلى المدرسة في أحد الأيام، تبعثر جسدها على الأرض، بكت كثيرا يومها وانتحبت وتراءى في عينيها أن المرض هو مهانة وعذاب للإنسانية لذلك فضًلت عند ذهبها للمدرسة البقاء في الصف حتى لا تتكرر ماساتها مرة أخرى.
باشر والد أمل الذي يطل عمره على العقد السابع ويعيل سبعة أفراد ويعمل في ظروف بائسة داخل الخط الأخضر " بما يسمى اسرائيل" بعلاج ابنته وكانت وجهته الأولى إلى احد أطباء العظام ومن ثم طبيب الأعصاب، حيث زرقها هذا الأخير بإبرة لكنها لم تتحسن بل بدأت حالتها الصحية تزداد سوءا، وفي ما كانت الأم تحاول عبثا أخفاء دموعها أمامنا قال الوالد" أجريت لها تحليل مغناطيسي وصور أشعة ولم يكن لذلك أي اثر ايجابي على صحتها، وأخبرنا من قبل الأطباء أن هذا المرض وراثي وتظهر أعراضه تدريجيا، دخلت بها كل مستشفيات الوطن دون جدوى، واقترح علي احد الأطباء التوجه بها إلى الأردن، لكن ضيق ذات الحال حالت دون ذلك، علما أن تكاليف العلاجات كانت على حسابي الشخصي ولكن دون جدوى".
أطاح المرض بأحلام أمل في دخولها الجامعة ودراسة الشريعة الإسلامية بعد أن حصلت على معدل (76) في الفرع الأدبي، وآثرت البقاء في البيت على أن تخرج وتعيش مأساة الذهاب والإياب للجامعة وسط الآخرين الذين قد يرمقونها بعين الشفقة والعطف، هذه النظرة التي لم تتقبلها حتى من شقيقاتها اللواتي يقمن على خدمتها.
واليوم باتت أمل تعيش قسوة الهجران والوحدة، فهذا المرض اتخم روحها بالندبات ورأسها بذكرياتها الجميلة التي قضتها مع زميلاتها قبل أن يداهمها، ترجع كل يوم بأرشيف خمس سنوات مضين، تقول" أصبحت فتاة مهجورة منذ أن مرضت لم اعد أرى صديقاتي- تتنهد- ولم احتفل مع من تزوج منهن، منذ خمس سنوات وأنا فاقدة لشهية الحياة دون أن أجد أحدا يقدم لي أي مساعدة، الناس ينفقون آلاف الدولارات على أشياء غير مفيدة لكن عندما يتعلق الأمر بعلاج مريض تراهم فقراء".
تركت أمل بعد أن استسلم قلمي حائرا في خط عذاباتها، واستسلمت هي إلى فراشها مسرِحة نفسها لعبث الأيام في انتظار بزوغ فجر جديد، يحمل في طياته بشرى لإمكانية شفائها من هذا المرض لتعود كما كانت، أخيرا ادعوا لأمل أن تشفى من مرضها، وأنا مثلكم سأدعوا لها، بعد أن أنذرت نفسي من الآن أن أقيم كل يوم صلوات خاصة إلى الله ليشفيها.
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
