حسن اسماعيل
تعبر تجربة سركون بولص الشعرية والحياتية بما تحمله من خصوبة ومرارة عن روح ترفض أن تكون خارج التاريخ لأنها ممتلئة وتفيض بتاريخها العراقي، مهد طفولة الحضارة البشرية. ذاك الفتى الكركوكلي حيث كانت مدينته قوس قزح الثقافة العراقية والنسغ المشترك لكل جذور العراقيين الأقوامية والدينية.
لم تكن مدينة الشاعر مجرد حاضرة مثل حواضر أخرى في العراق، بل كانت بتركيبتها المجتمعية تحتضن كل الرصيد التاريخي للعراق، بوتقة صهرت تراث كل الأمم العراقية في قلادة حضارية وثقافية. ومن كل هذا التنوع الثقافي في كركوك اغتنت اللغة العربية—حيث اطمئن لها تراث المدينة—أيما غنى. وجاء أفراد جماعة كركوك ليصبوا دماء ثقافاتهم الخاصة من جسد هذه اللغة الطيبة.
ولأن سركون بولص ابن هذه المدينة السمحاء اختار سان فرانسيسكو كونها مدينة كوزموبوليتية مركبة من جميع أجناس العالم وليس أميركية بهذا المعنى: قال انه لم يحب المدن الأمريكية الأخرى.
من أين بدأ الشاعر قبل أن يعلن الوصول إلى مدينة (أين) تلك المدينة الخرافية النابتة في متاهة قلبه؟ وكيف أثث ثقافته بل مغامرته الشعرية والإنسانية الحرة—الموجعة؟ ماذا تشكل كركوك بالنسبة للشاعر وهو يبعث منها أولى قصاصاته إلى جريدة بغدادية في عهد ثورة 14 تموز؟ ذاك زمكان الشاعر البريء الذي رسم ملامح رحلته المقبلة. فلم تكن جماعة كركوك سوى ثمرة ناصعة لثقافة ثورة تموز التحررية. وكان أفرادها هم جيل هذه الثورة فكانت حركة طليعية أسست للحداثة العراقية بعد أن طارت عدواها إلى بغداد ومدن العراق.
أضافت الحقبة الأمريكية الكثير لسركون بولص وهو الذي عاش في سان فرانسيسكو أكثر مما عاش في العراق. فهناك تعرف ميدانيا على الوجه الثقافي الذي أحبه واحترمه لأميركا. هناك التقى بمثقفي اليسار وقادة ثورة الطلبة 1968، والتقى شعراء البيتنكس الذين قرأ بعض نصوص لهم في بغداد وترجم القليل منها...كينسبرغ، كورسو، فيرلنفيتي، وهؤلاء كانوا مدار حديث المقاهي الأدبية في بغداد. وكانت سان فرانسيسكو التي قضى فيها الشاعر أكثر من نصف عمره مدينة مكتبات ومدينة نقاش. وفي جامعة بيركلي كانت قاعة خاصة بالمجلات فقط وبكل لغات العالم حيث تصل المجلات العربية، الآداب، مواقف، وحتى مجلة الأقلام العراقية مما وفر للشاعر فرصة التواصل مع الحراك الأدبي في العراق والعالم العربي. وهناك، في أمريكا، اكتشف شاعر بيرو العظيم والمدهش والذي سحره حتى النخاع (سيزار فاييخو) حين ظهرت ترجمة قصائده على يد شاعر ومترجم أمريكي انفق عشر سنوات من حياته لإكمالها. لكم سحره ذلك الشاعر وادخله في علاقة راديكالية مع اللغة تسعى إلى تفجير الشكل من اجل الوصول إلى الصوت الباطني.
لأنه فتى كركوك، فتى العراق، لم يحتمل سركون بولص أن يبقى في بلد يفكر، ليل نهار، كيف يدمر (عائلته ووطنه)، كان همه الوحيد كيف يترك الولايات المتحدة، آنذاك، لم يحتمل بلدا يريك وجهه الشرير بالكامل وبكل صراحة، ولا مجال للحياد هنا وهو القائل عن نفسه بأنه شاعر سياسي جدا ولكن خارج التعبير المباشر الإعلامي أو الدعوي الذي شاع، وللأسف الشديد، في تجربة الشعر العربي الحديث ولدى شعراء معروفين في العالم كنيرودا وناظم حكمت. لأن الموقف السياسي لا يعني سوى الانحياز للحرية والإنسان وهو ما يتجسد بوضوح حين يتخذ الشاعر موقفا من اللغة (والشاعر هو حيوان اللغة) والكتابة واختيار الموضوع فضلا عن المسؤولية الأخلاقية—أنا إنسان أخلاقي، يقول سركون بولص—
لعل تجربة الشاعر والمثقف العراقي الراحل سركون بولص وحيوات عمره التي شغلت النصف الثاني من القرن العشرين تعكس ملامح عديدة للازمة المجتمعية العظمى في العراق والعالم العربي. فهو قد شب مع ثورة 14 تموز 1958 ونشر أول نص له في العام 1959، وهو انتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي في نفس العام تحت تأثير المد الثوري ولم يستمر أكثر من عام. ثم انتقل إلى بغداد وهناك حورب من قبل الأدباء الفاشلين والأدعياء. وهو سافر إلى الولايات المتحدة—بعد مكوث قصير في لبنان—وهناك أثرى تجربته الشعرية والحياتية وكان مهيئا تماما لذلك. وأخيرا غادر أمريكا إلى أوروبا احتجاجا على حربها العدوانية على وطنه.
تقول تلك التجربة—المغامرة أن الثورات الوطنية الحاملة لأشواق التغيير الاجتماعي قد ابتلعتها الردات والثورات المضادة تحت عناوين وشعارات كذابة. وإن حركة الحداثة الشعرية والثقافية عموما اصطدمت هي الأخرى—لابد أن تصطدم—بسلطات تخشى الحداثة الثقافية مثلما تخشى الحداثة السياسية. وإن رحلة الشاعر إلى الولايات المتحدة أو إلى (مدينة أين) كانت تجسيدا لعنوان رواية السوداني الراحل الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) إذ ما زال هذا الموسم مستمرا ما دامت الرأسمالية العالمية تنكر إنسانية شعوب الجنوب وتحاصرهم وتعرضهم لكل أنواع الآلام والأوجاع والإذلال.
فارق سركون بولص الحياة في مدينة برلين وهو يرنو إلى جثث أحلامه المدماة بمدية المجرم الأمريكي وخنجر القاتل البعثي—الرجعي المحلي.
