الدكتور خير الله سعيد
بلغت بغداد مجدها الحضاري والفني في القرن الذي أعقب وفاة أبي جعفر المنصور مؤسس بغداد وبانيها. وبعبارة أدق، بلغت مجدها الزاهي في عهد الخلفاء الخمسة الذين تعاقبوا على الحكم بعده، أي من خلافة المهدي إلى وفاة المأمون من عام 159 - 218 هـ. وعلى الرغم من أن الحرب الأهلية بين الأمين والمأمون قد أثرت سلباً في بعض ازدهارها، فإن الأفق الحضاري لها كان هو الطاغي. وما أن انقشعت غيوم الفتنة والاحتراب، حتى عادت سماؤها إلى الصفو والضياء( [1]).
من الملاحظ على مجتمع بغداد العباسي أنه خليط من مختلف الأعراق والغلبة فيه للعرب. وقد احتار ابن الفقيه (مؤرخ بغداد الأول في ذلك العصر) بعدد الناس الوافدين إلى بغداد من كل أنحاء أراضي الخلافة العباسية، فيقول: »وكثير مما لم نذكره ونحصيه ولا نعلمه فنستوفيه فيما بين كل بلد وقراه، وكل قرية ونظائرها، ممن لا يحصى عددهم، ولا يعلم كنه عدتهم إلا خالقهم، مستجيرين بمدينة السلام«( [2]). وهذا الازدياد والتزاحم السكاني للوافدين على بغداد كان العامل الاقتصادي يستوعبه، إذ كانت التجارة والزراعة في توسع مستمر، الأمر الذي رفع بالنتيجة مستوى المعيشة في المدن؛ كما ظهر التباين الاجتماعي واضحاً من خلال مداخيل الأفراد( [3]). إلا أن حالة اليسر عند الطبقة الحاكمة، والفئات المرتبطة بها آخذة في التطور المستمر. وكانت نزعة شراء الرقيق قد تفشت بين أوساط هذه الطبقة، مضافاً إليها جانب حسي هام، هو إقبال الناس على الملذات الحسية، وكان نهوض العمران يُدعم تطور مناخي الحياة في كل ركن من أركانها.
ومع هذا التطور، كانت رقعة الخلافة العباسية آخذة في التطور هي أيضاً نتيجة الحروب وشكلت مصدراً هاماً للرقيق باعتبارهم تجارة رابحة. ومن هذا الرقيق كان يتخذ الإماء والجواري والسراري والعبيد والغلمان، وكان بعضهم يصل إلى مراتب رفيعة في كيان السلطة. وكانت هذه الجواري والإماء من أجناس وثقافات وديانات وحضارات مختلفة، فأثرن آثاراً واسعة في أبنائهن ومحيطهن، وهي آثار امتدت إلى قصر الخلافة ذاته، وعملت فيه عملاً بعيد الغور حتى أن ابن الساعي - أحد مؤرخي الخلافة العباسية - جمع مؤلَّفاً عن زوجات الخلفاء من هذه الجواري سماه "جهات الأئمة الخلفاء من الحرائر والإماء"، وهو يعرف اليوم بـ"نساء الخلفاء" ( [4]).
وكان هؤلاء الجواري يثقفن بفنون الآداب، فكن يجمعن إلى جمالهن عذوبة الحديث وإجادة نظم الشعر مثل »عنان« جارية الناطفي، و»سَكَنْ« جارية محمود الورّاق. وكانت منهن من تجيد فن الغناء، فكن فتنة من فتن العصر على نحو ما كانت »دنانير« جارية البرامكة، و»متيم« جارية ابن هشام - أحد قواد المأمون -، و»عَريب« جارية المأمون( [5]).
وكانت هؤلاء الجواري - ولا سيما المغنيات منهن - يُشكلن ظاهرة فريدة في الغناء، وأصبحت منازلهن مأوى لرواد السماع من الأدباء والفصحاء ورجالات السياسة والأدب، ناهيك عن كثرتهن في قصر الخلافة. وقد أورد أبو حيان التوحيدي مقاربة أولية لعددهن، فقال: »بأنه وجماعة من أهل الكرخ قد أحصوا 460 جارية في الجانبين - يقصد الكرخ والرصافة - ومئة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان، يجمعون بين الحذق والحسن والظرف والعشرة. هذا، سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه، لعزته وحرسه ورقبائه«( [6]).
من هنا تتوضح أمامنا معالم ذلك العصر الفنية والإبداعية والنفسية معاً. وقد شكلت »مجالس اللهو« إحدى الظواهر المميزة لذلك العصر، الحالة التي توجب وجود الندماء والمغنين من الجنسين، وممن تتوفر فيهم صفات الظرف والظرافة، أي الأدب وبداهة الطرفة، لكل حالة تحدث، أثناء المنادمة أو المجالسة في تلك المجالس. وقد صور الشابشتي مجالس اللهو والشرب في أكثر من موضوع تكون فيه المنادمات الشعرية والغنائية لهؤلاء( [7])، فيما اعتبر أبو المطهر الأزدي هذه المجالس إحدى المفاخر لأهل بغداد على أهل أصبهان، فحدَّد ميزات وصفات رواد هذه المجالس فقال، موجهاً كلامه لأهل أصبهان:
ولا أرى - والله - في جلسائكم رجلاً ظريفاً، جميل المنظر، بهي الرواء، فاخر الثياب، مستطاب النوادر، حلواً في القلوب، بريئاً من العيوب، له خلق كالماء صفاء، وكالمسك زكاء، أعذب من ماء الغمام، وأحلى من دبق النخيل، وأطيب من ذفر الورد، غذاء الحياة وقوت النفس، نسيم العيش ومادة الأنس، يندم الملوك، يطبع كالذهب المسبوك، إن سولم أضحكت نوادره، وإن خوشن عقرت بوادره، ينشد شعراً في وصف قينة أو كأس أو صيد
ثم يأتي على وصف المغنِّين فيقول:
مطرباً معرباً مطبوعاً مغرباً، يقول الشعر، ويكسوه اللحن الصحيح، ويغني به على الوتر الفصيح، غناء يرتفع له حجاب الأذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويمتزج بأجزاء النفس، غناء يحرك النفوس ويرقص الرؤوس، يملأ الآذان سروراً، ويقدح في القلوب نوراً، يشفي بغنائه، ويحث الهائه الأمداح، شكل التأنيث والتخنيث رخيم الصوت( [8]).
هنا تبدت أمامنا ملامح تلك الشخصيات الأدبية والثقافية والفنية لرواد هذه المجالس. وبمعنى آخر، إن هذه الاشتراطات هي أحد مقومات الظرف والظرفاء في تلك الفترة. وهذا يعني أيضاً أن هذه الصفوة المثقفة تستطيع تسيير حالة إبداعية في الفن ضمن منظورها المعرفي، وإلا كيف وصفت بهذه النعوت والأوصاف، بل ذهب »الوشاء« أكثر من ذلك، عندما وضع كتاباً سماه "الظرف والظرفاء" يحدد فيه ميزة تلك الفئة المثقفة من الناس، وعلى تلك الاشتراطات الاجتماعية والثقافية كانت مجالس اللهو تعقد بين العامة، أكثر منها في داخلها، بعد أن تلعب المدامة بلب الجلاس والمتسامرين، وتنتقل بالعدوى من شخص لآخر، دون الخروج عن حد آداب المجلس، وما تسمح به أعرافه. وقد رصد أبو حيان التوحيدي ذلك فقال: »وهذه صورة إذا استولت على أهل المجلس، وجدت لها عدوى لا تملك، وغاية لا تدرك، لأنه قلما يخلو إنسان من صبوة أو صبابة، أو حسرة على فائت، أو فكرة في متمنى، أو خوف من قطيعة«( [9]). وهذه المجالس، بمواصفاتها تلك، كانت مرتعاً للأدباء والشعراء والمتصوفة أيضاً، بحيث كانت تعقد فيها المطارحات الشعرية واللحنية، ومدارات الغزل تحوم حول الرؤى والأفئدة، فتتفجر أحاسيس الإبداع - شعراً وغناء - بين أطراف المجلس ذكوراً أو إناثاً.
وحضور القيان - أو الجواري المغنيات - في تلك المجالس هو الدافع الأقوى إلى تحريك غرائز النفس الشهوانية والإبداعية وتجييشها، وهو الأمر الذي انتبه إليه الجاحظ فقال فيه:
فإذا جاء باب القيان، اشترك فيه ثلاثة من الحواس، وصار القلب لها رابعاً. فللعين النظر إلى القينة الحسناء والمشهية إذ كان الحدق والجمال لا يكادان يجتمعان لمستمتع ومرتع، وللسمع منها حظ الذي لا مؤونة عليه، ولا تطرب آلته إلا إليه، وللمس فيها الشهوة والحنين إلى الباه، والحواس كلها رواد للقلب وشهود عنده ( [10]).
ومن كلام الجاحظ نستشف كوامن الأبعاد النفسية والروحية وأسباب معللات النفس بعشق هذا الصنف من النساء، واللاتي يحركن كل المشاعر بوجودهن كعالَم متم لعالَم الرجل. ومن ناحية أخرى - في هذه المجالس - قد يحدث استجماع لأكثر من حاسة من حواس الإنسان في لحظة معينة، وتتوحد الرغائب لخلق حالة من الروح الإنسانية للذات البشرية، فتطير بفضاء رحب تاركة كل الهموم وراءها. وربما كانت هذه اللحظة هي لحظة الإصغاء إلى هذه المغنية، حتى إذا رفعت عقيرتها بالغناء حدق إليها الطرف، وأصغى نحوها السمع وألقى القلب إليها الملك، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدي إلى القلب ما أفاد منها قبل صاحبه، فيتوافيان عند حبة القلب، فيفرغان ما وعياه، فيتولد مع السرور حاسة اللمس، فتجتمع له في وقت واحد ثلاث لذات، لا تجتمع له في شتى قط، ولم تؤد إليه الحواس مثلها، كما يقول الجاحظ( [11]). زد على ذلك ما تقوم به تلك المغنيات من تفنن في الأداء، وخفة في الحركة، ولطافة في المسامرة، وتغنُّج في الملامسة والاحتكاك، الأمر الذي يدع الرجل المسامر لها يطير من عقله الرشاد ويفقد صوابه، حتى يصل به الأمر إلى أن يبيع المتاع ويحل العقد ويثقل ظهره بالغيبة حتى ينال تلك الجارية أو يبتاعها( [12]).
مقومات الغناء
إن ظاهرة انتشار الجواري في العصر العباسي، وما قبله من عصور، أمر له مدلولاته الاقتصادية والاجتماعية المتطورة. ولذلك عمدت صفوة المجتمع البغدادي لاقتناء أدق المواصفات في جواريهم، ومالوا نحو الأجود، وإن ارتفع سعره. ويحدد ابن بطلان مقومات جيِّد الغناء عند الجارية على النحو التالي:
إذا اجتمع للغناء أن يكون مطبوعاً سليماً من الخروج والنفور، وكانت الجارية شحرورية الصوت، جيدة الصنعة والضرب، صحيحة التأدية للشعر، قد أخذت عن الحذاق، وتزيدت من نفسها بجودة الطباع، فهي الغاية القصوى في هذا الشأن. فإذا اتفق لها مستمع عارف بالطرائق والضرب واللحن ومجرى الأصابع، وقائل للشعر وما فيه من العروض والنحو، وما في الصوت من ردات وترجيحات وشذرات ونقرات وتشبيعات، كان أوفر في اللذة وأنفق للصناعة( [13]).
في هذا النص تتكشف أمامنا »صناعة الغناء« إن جاز التعبير، وكذلك شيوع ظاهرة المغنيات في العصر العباسي، بما هي ظاهرة اجتماعية - فنية فارضة نفسها على الواقع. لذلك نشاهد أن إبراهيم الموصلي، مغني الخلافة - ومن بعده ابنه إسحاق - قد وضع الألحان الجديدة، بناء على طلب الرشيد، في أصول الغناء، بحيث اختار مئة صوت، ثم عشرة، ثم ثلاثة( [14]). وعلى هذا الأساس، تطلب الأمر من المغنِّين معرفة الأصوات، ولا سيما العشرة منها. وقد قسم ابن بطلان المغنيات، المتخذات من الغناء، مهنة إلى عدة أصناف، منها( [15]):
1. العوادات: عازفات العود. ويعتبرن بالأصوات العشرة المعين عليها من المئة المختارة( [16]).
2. الرقاصات: يحتاج الرقاص إلى أن يكون طريّاً في طبعه، مجوِّداً في صنعته، معتدلاً في جسمه وقامته، عريض الصدر ليمتد نفسه، مجدول الحشا لتخف حركته. وهذا يعرف من إحضاره وصياحه، ويكون قيِّماً بالبابات( [17])، ولاسيما الشيرازية منها.
3. الكراعات. والكراعة (وهي كلمة مولدة، كما جاء في "اللسان") تغني على طبل صغير. وهذا الصنف يعتبرن بالأرمال والأهزاج والكاكاني( [18]).
4. الزوامر: يختار لهن الزنجيات، لأنهن مطبوعات على الإيقاع. ولكون ألفاظهن غليظة، تمنعهن من الغناء، عدل بهن إلى الزمر والرقص.
5. الطنبوريات: ذوات الطنبور البغدادي. يعتبرن بالزريقي والحجفي وخفيف رمل بن طرخان، وهي ألحان معروفة وقتذاك. ومن آدابهن على الإجمال إصلاح آلاتهن قبل حضورهن للغناء، وهو استصحابها، إذا نهضن، ولا سيما إذا كن بارزات دون الستائر.
6. الدفافات: وهن الضاربات على الدفوف، ويعتبرن بالزفن، وهو »لحن إيقاعي معين«( [19]). لم تكتف حالة العصر الثقافية والفنية بتلك الاشتراطات الفنية - المهنية، بل تطلب الأمر من المغنيات، ولا سيما أن مهنة الغناء صارت تلازمها أينما حلت، أن تحفظ آلاف الأبيات من الشعر، وحاذقة بصنعتها الغنائية، أي يتوجب عليها أن تكون "مثقفة" بالمعنى المعاصر، وتنسجم تلك الثقافة مع حالة العصر. يقول الجاحظ( [20]): »وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعداً، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، عدد ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف بيت«. ثم يضيف: »ثم لا تنفك - يقصد القينة المغنية - من الدراسة لصناعتها، منكبة عليها، تأخذ من المطارحين، الذين طرحهم كله تجميش (غزل) وإنشادهم مراودة. وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها، لأنها إن جفتها تفلتت؛ وإن أهملتها نقصت؛ وإن لم تستنفذ منها وقفت، وكل واقف إلى نقصان أقرب«. والجاحظ هنا يسلط الضوء على توكيد المنافسة بين المغنيات في الصنعة، كشرط يتوجب حضوره في كل ظاهرة حضارية تنشد الرقي والتقدم. وهو يؤكد على هذا الجانب بالقول( [21]):
وإنما فرق بين أصحاب الصناعات وبين من لا يحسنها، التزيد فيها، والمواظبة عليها. فهي لو أرادت الهدى لم تعرفه، ولو بغت الغفلة لم تقدر عليها، وإن ثبتت حجة أبي الهذيل( [22]) فيما يجب على المتفكر زالت عنه خاصته، لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها مشاغيل بما هي فيه، وعلى حسب ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها لمن يلي مجالستها عليه وعليها.
الغناء والمجتمع
لم تكن مسألة الغناء بالأمر العارض، بل هي مسألة صعبة ودقيقة تحتاج إلى تهذيب الصوت، ومعرفة الألحان، والتحكم في مخارج الألفاظ، والانصياع إلى أصول وأسس الصنعة، ناهيك عن الدربة المتواصلة، وحفظ الأبيات الشعرية، وملاحظة النحو عند الأداء. أضف إلى ذلك مواجهة السلطان عند الإنشاد، أو صفوة المجتمع. وهذا يعني أن هناك آداباً تمليها الحالة الراهنة للمغني أو المغنية، ثم هناك حالات اجتماعية قد تلجم المغني عن غنائه، كحالات الحزن، أو حضور بعض النساك والمتعبدين، أو قد يكون المجلس خاصاً بعائلة الخليفة، مما لا يسمح به للنساء والحاشية الحضور أو السماع، وأشياء أخرى. هذا على الصعيد الرسمي. أما على الصعيد الشعبي، فالأمر مختلف، وأكثر انفتاحاً، إذ أن مبدأ العموم يبيح ما هو محضور، وعلى تلك المفارقات كان الغناء في العصر العباسي يفرض طقسه ويحدد جلاسه، وينتخب جمهوره.
وهناك مسألة تستدعي موافقة الشرع الديني على الغناء، بشكل أو بآخر، وهو ما أطلق عليه »الرخصة في الغناء« كي تكون الحالة الإبداعية تسير مع الركب الحضاري الناهض، حيث أن مسألة الغناء كانت بعض الحضارات المحايثة للمقام العربي تعتبره أدباً كالفرس، والروم تعده فلسفة( [23]). وهنا فرض على الحضارة العربية الإسلامية التحدي الحضاري، دون الخروج أو الإخلال بمقومات الشريعة، لذلك استفتت في الغناء. فقد سئل أبو حنيفة وسفيان الثوري: ما تقولان في الغناء؟ فقالا: »ليس من الكبائر ولا من أسوإ الصغائر«. وقيل للعتابي، فقال: »حلال من الفائق، حرام من غير الحاذق«. وسئل بعضهم، فقال: »هو من ارتياح الكرم وامتياح النعم، من قال هو مباح وإلا فليس فيه جناح، قد يعفو الله عما فوقه ويأخذ بما دونه«( [24]). كما أن أثر الصحابة بهذا الأمر يشهد بعدم تحريمه. فقد ذكرت المصادر( [25]) أن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مر بدار قوم، فسمع ضجة، فقال: ما الأمر؟! فقيل: عرس، فقال: وما يمنعهم أن يخرجوا غرابيلهم (أي الدفوف)، فإنها من أمارة العرس. وحضر الشعبي وليمة، فقال: »كأنكم في نائحة. أين الدف؟«. وقد حاول بعض المتزمتين من الفقهاء بحضرة الرشيد أن يفرض آراءه في هذا الشأن، فقال لابن جامع المغني: »الغناء يفطر الصائم. فقال ابن جامع: ما تقول في بيت عمر بن أبي ربيعة: "أمن آل نعم أنت غاد فمبكر". أيفطر الصائم؟ فقال: لا. فقال ابن جامع: إنما هو أن أمد به صوتي وأحرك به رأسي«( [26]).
من هنا تتوضح الصورة »الشعبية« لمديات الغناء الواسعة. وقد أشرنا في الصفحات السابقة إلى العدد الهائل من المغنِّين والمغنيات في الجانبين (الكرخ والرصافة)، حيث أن ذلك يؤشر إلى حالة التجانس الثقافي - الاجتماعي بين الناس والظواهر الحضارية في المجتمع العباسي الجديد، والذي قد تلاقحت فيه الثقافات من كل حدب وصوب.
ومن هنا نلاحظ أن الجواري المغنيات تكاد تكون في أغلب بيوتات مجتمع بغداد، حيث أن العامة هي آنس بالغناء من الخاصة، وأحياناً تكون الخاصة، وأحياناً تكون الخاصة أحوج للعامة، ولا سيما في مسألة إبعاد الكرب عن طريق الغناء( [27]) وغيره من الأمور. حتى لقد حظي الغناء باحترام البغداديين، وهو ما أشار إليه الدينوري معبراً عن هذا الموقف باقتران المغني بالحكيم أو المذكر أو الخطيب( [28]). وهذا يعكس الذوق الفني الرفيع لدى المجتمع البغدادي في ذلك العصر، ويبرز التقدير العالي لبعض الأوساط التي تقدر هذا الفن، حتى أن الوزير جعفر البرمكي كان من أشد الناس حباً للقيان المغنيات، ولا يستطيع كتم هذه الحالة في نفسه. ونظراً لحساسية موقعه السياسي، اقترح عليه والده يحيى البرمكي قائلاً: »إذا لم تكن لك القدرة على الاستتار في لهوك وشربك، والكتم لمجالس أنسك ولعبك، فاتخذ لنفسك قصراً بالجانب الشرقي، تجمع فيه ندماءك وقيانك، وتقطع معهم زمانك، وتبعد عن أعين العامة، وتخفي أمورك على أكثر الخاصة، ويقل القول فيك، وينقطع الكلام عنك«. ففعل وبنى قصراً، عرف فيما بعد باسم »القصر الجعفري«( [29]).
يبدو أن للغناء سطوة على النفس وأكثر تأثيراً من بقية الفنون، إذ تتمازج فيه أكثر من رغبة وأكثر من عامل إبداعي، فتظهر انفعالات المغني على صوته وأحاسيسه الأخرى عندما ينشد شعراً، تطيب له نفساً، وينقل هذا الإحساس بصوته إلى أذن المتلقي/ المستمع كي يشركه معه في هذا الانسجام الروحي، والارتياح النفسي الجميل، والذي مصدره الشعر. فتنتقل العدوى لهذا الإحساس بين الطرفين - المغني والمستمع - فتحدث حالة تنسي الجميع الإحساس بالزمن. وفي هذا الصدد، يتحدث إسحاق الموصلي قائلاً: »أمر الصوت عجيب، منه ما يسر سروراً يرقص، ومنه ما يبكي، ومنه ما يكمد، ومنه ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه. وليس يعتري ذلك من قبل المعاني، لأنهم في كثير من الأحوال لا يفهمون«( [30]). وقد جاء في الأثر: »ماسرجويه المجوسي بكاء من قراءة أبَيّ للقرآن. فقيل له: كيف تبكي لكتاب لا تصدق به؟ فقال: أبكاني الشجاء، وقد تسكن النفوس إليه. وذلك موجود في أكثر البهائم«( [31]).
فالصوت إذن هو المؤثر الأول »سلباً وإيجاباً« في نفس المتلقي. لذلك كان الناس في العصر العباسي، وما زالوا حتى هذه اللحظة، يقدرون المغني صاحب الصوت الحسن، ويذمون صاحب الصوت القبيح. وفي هذا السياق، ينقل الراغب الإصبهاني في "محاضراتـ"ـه( [32]) بعض آراء أهل الصنعة في الغناء وجمهورهم الناقد لفنهم، فيقول: »سمع رجل غناء طيباً. فقيل له: كيف تسمعه؟ فقال: وددت أن جميع أعضائي مسامع أسمعه بها«. فأخذ ذلك أحد الشعراء، فقال:
غنت فلم تبق في جارحة
إلا تمنت بأنها أذن
وقال عبد الرحمن المعروف بقس:
كأن حماماً راغبيّاً مؤدباً
إذا نطقت في صوتها يتغشمر
وقال آخر:
إذا هي غنت أبهت الناس حسنها
وأطرق إجلالاً لها كل حاذق
ووصف ابن شريح مغنياً، فقال: »كأنما خلق من كل قلب، فيغني لكل ما أحب«. وقال الخليفة الواثق: »غناء علوية مثل نقر الطست، يبقى في السمع بعد سكوته«. وبغية تميز الأصوات الحسنة من غيرها، فإن أساطين الغناء وضعوا بعض الفوارق والميزات الواجب الأخذ بها عند المنشد وعند المتلقي، كي تكون شبه أحكام فنية للمعادل الموضوعيّ، فقالوا( [33]): »أطيب الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك«. وقال يحيى بن خالد البرمكي لابن جامع: »من أحسن الناس غناء؟ فقال: من أطرب الخاشع، وأفهم السامع«. وقال الموصلي: »إذا تغنيت بالمديح ففخم، أو بالنسيب فأخضع، أو بالمراثي فأحزن، أو بالهجاء فشدِّد«. وسأل المعتصم إسحاق الموصلي عن معرفة النغم قائلاً: » بيِّنها لي. فقال الموصلي: إن من الأشياء ما تحيط به المعرفة ولا تؤديه الصفة. ثم سألني عن شعرين متقاربين ففضلت أحدهما على الآخر، فقال: من أين؟ فقلت: لو تفاوتا، لأمكنني التبيين؛ ولكن تقاربا ففضل أحدهما على الآخر، مما يشهد به الطبع ولا يعبر عنه اللسان«( [34]).
قلنا إن ظاهرة الغناء في العصر العباسي أخذت صبغة شعبية من حيث الانتشار. وهذا يعني أن أحكام الناس - النقدية - يأخذها بعين الاعتبار، المغنُّون والمغنيات ورواد المجالس أيضاً، ومختلف الفئات الاجتماعية، لكون الظاهرة تعم الجميع. وللأدباء والشعراء الرأي الأرجح في تقييم الغناء والأصوات الحسنة منه. فقد سئل حكيم عن الفرق بين غناء النساء والرجال، فقال: »ما خلقت الأغاني إلا للغواني. وقيل: نعيم الدنيا أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله«. وقال الجاحظ: »كم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله وبين أن تسمعه من فم تشتهي أن تصرف بصرك عنه، وأيهما أملح أن يغنيك فحل ملتف اللحية وشيخ منخلع الأسنان، متغضن الوجه، أو تغنيك جارية كطاقة نرجس أو آس؟ وأنشد( [35]):
من كف جارية كأن بنانها
من فضة قد طرفت عنَّاباً«
وسمع رجل غناء حسناً، فقال: »السكر على هذا شهادة«. فأخذ كشاجم هذا المعنى وضمنه شعراً، فقال:
فلست آبى وإن سقوني
على أغانيه نيل مصر
وأضاف الخبزارزي الشاعر إلى ذلك، فقال:
ولو أن البحور خمر لدينا
وتغنيت لارتشفت البحورا( [36])
وقد أدَّى الهجاء للمغنِّين دوراً إيجابياً لشحذهم أصحاب صنعة الغناء، لأن أغلب الهجائين كانوا من الأدباء والشعراء. وهذا يعني أن البعد الإعلاميّ سيكون واسعاً في الصدى والانتشار. لذلك انتبه المغنون إلى أصواتهم وأدواتهم وثقافتهم لتطوير غنائهم. فهذا ابن جامع - وقد سئل عن كونه حسن الإيقاع - يقول: »برئت من الإسلام أن كنت ضرطت منذ ثلاثة سنة إلا بالإيقاع، فكيف أخرج منه في الغناء؟«( [37]).
هنا نشاهد أحد أعلام الغناء العربي في العصر العباسي وهو ابن جامع يدلي بهذا التصريح. وبالرغم مما فيه من طرافة، فإنه يعبر عن مدى الحذق للصنعة والتوحد فيها بكل الحواس. وفي تقديرنا أن النقد كان بالمرصاد لتقويم أي اعوجاج في الغناء، بمعنى أن الشروط »النغمية« للمغنِّين والتحكم في الصوت والأداء هي من أولى موجبات الغناء الجيد والحسن. حتى بعض المغنيات من العجم انتبهن لهذه الناحية في الغناء الأعجمي ذاته. فهذا أبو تمام يصف جودة غناء جارية لم يفهم معنى كلامها( [38]):
ومسمعة يحار السمع فيها
طربت لحسنها بصدى غناها
ولم أفهم معانيها ولكن
ورت كبدي ولم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنّىً
بحب الغانيات وما رآها
وقد كان قبح الصوت عند المغنِّين كرداءة الخط عند الوراقين؛ فكلاهما زمانة الدهر. لذلك أصبح هؤلاء محط تندُّر الشعراء والظرفاء والأدباء، الأمر الذي يكشف تنامي الذائقة الفنية للسماع عند الناس، وتمييز القبيح من الحسن. ولذا نشاهد ونقرأ كتب الأدب والنوادر تسلط الضوء على هذه النواحي، مشاركة رأي الجمهور في ما هو أبقى وأمتع. وبهذا الصدد، ينقل الراغب الأصبهاني التعليقات التالية لظرفاء ذلك العصر، فيقول( [39]):»قال بعضهم في وصف مغنٍّ قبيح: كأنه مكوك يتدحرج على درجة. وغنى مغن فقيل لبعض الندماء: كيف ترى؟ فقال:
ويحسب الندمان في حلقه
دجاجة يخنقها ثعلب
واقترح على مغنٍّ، فامتنع. فقال بعض الحاضرين: غن لهم صوتاً؛ فإنهم يقترحون عليك حينئذ بالسكوت. فقال أحد الظرفاء:
كلما قلت: اقترح قا
ل: اقتراحي أن تكفا
وقيل لأحد الظرفاء اسمه هارون: »فلان إذا غنى، غمض عينيه«. فقال: »أظنه يفعل ذلك استحياء لقبح غنائه«. وقيل لآخر، فقال: »نائحة تندب في مأتم«!. وقيل لآخر، فقال:
نحمد الله فإنا
قد سمعنا ما كرهنا
وقال آخر:
فأحسن بحالك لو خرَّست
وأحسن بنا لو رزقنا الصَّمما
وقد أقذع ابن الرومي في هجاء أحد المغنِّين، فقال( [40]):
وكأن جرذان المحلة كلها
في حلقه يقرضن خبزاً يابساً
وسمع أيضاً مغنية قبيح الصوت، فقال:
وإن سكوتها عندي لبشرى
وإن غناءها عندي لمقعى
فقرطها بعقرب شهرزور
إذا غنت، وطوقها بأفعى
وأضاف جحظة البرمكي على هذا الوصف، فقال( [41]):
وانصرفنا لما تغنت عطاشا
والقناني كما دخلنا ملاء
وقال أحد الظرفاء أيضاً: »غناني فلان فعناني«. فأخذ ابن الحاج هذا المعنى ووظفه في بيت، فقال:
وعوادة من جواري القيان
سرار البطون عليها نحل
إذا ما تغنت بثاني الثقيل
طرحنا عليها خفيف الرمل
قالوا: دعا أحد الأصدقاء لجحظة البرمكي، وكان يعده بجارية حاذقة فائقة. فلما حضر، أخرج جارية قبيحة. فقال جحظة:
قد دعانا فأرانا
خنفساة خلف عود
وتغنت من قيام
كالمغني من قعود
وقال الجماز المغني لأبي العيناء: كيف ترى غنائي؟ فقال: كما قال الله تعالى: »إن أنكر الأصوات لصوت الحمير«.
ووصف كشاجم مغنّياً موصوفاً بالشؤم والقبح، فقال:
ومغن بارد القمة مختل اليدين ما رآه أحد في دار قوم مرتين
وقال أبو الفضل ابن العمير:
إذا غنى لنا أمما
حشوت مسامعي صمما
وإن أبصرت طلعته
كحلت نواظري بعمى
محاسن الغناء وفضله
كان للغناء أثر بالغ في نفوس الناس في العصر العباسي. فقد اشتغلوا أيما اشتغال، وكأنه نعيمهم في دنياهم كما يقول شوقي ضيف( [42]). فهم لا يؤثرون سواه، لما يبعث في نفوسهم من غبطة وابتهاج. وعلى الرغم من أن الغناء انتقل من الحجاز إلى العراق أواخر عصر بني أمية، فإنه انتشر في بغداد بشكل ملحوظ في الأوساط الاجتماعية العباسية منذ أيام تسلم المهدي بن المنصور لصولجان الخلافة، حيث جذبت بغداد إليها المغنين والمغنيات من كل فج، ونثرت عليهم الأموال نثراً، بل كالتها كيلاً. وأول من كالها من الخلفاء العباسيين المهدي نفسه( [43]).
ونظراً لكون الغناء أصبح من علامات الرقي والازدهار، فقد احتضنته الخلافة العباسية ورعته أيما رعاية، لأنه صار من علامات أبهة البلاط، ولحظات الحبور للخليفة، حتى إن الرشيد اهتم بالمغنِّين أيما اهتمام، وجعلهم مراتب وطبقات. فكان إبراهيم الموصلي وإسماعيل أبو القاسم وابن جامع وزلزل (منصور الضارب) في الطبقة الأولى؛ وفي الطبقة الثانية، سليم بن سلام، وعمرو الغزال، ومن أشبههما؛ والطبقة الثالثة أصحاب المعازف والونج والطنابير. وعلى قدر ذلك كانت تخرج جوائزهم وصلاتهم( [44]).
إذن، بلاط الخلافة العباسية - ولا سيما في زمن الرشيد - أدَّى دوراً هامّاً في تنشيط هذا الفن الرفيع من جهة، ومن جهة ثانية خلق حالة تنافس إبداعية بين المغنين جميعاً، لأن كلاًّ منهم كان يسعى في أن يكون ضمن ندماء الرشيد، وضمن الطبقات الأولى للمغنين. وهو ما سعى إليه زرياب وحققه بإبداع. إلا أن إسحاق الموصلي حال دون ذلك( [45]). وأصبح الغناء محط اهتمام كل الأوساط الاجتماعية والثقافية. ويكفي أن نشير إلى أن أبا الفرج الإصبهاني أمضى من عمره أكثر من أربعين عاماً وهو يجمع أخبار وطرائف وأشعار وأصوات المغنِّين، ليضعها في أجمل وأهم موسوعة تراثية في الأدب العربي اسمها "الأغاني". هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فرضت ظاهرة الغناء نفسها على المفكرين الإسلاميين، مثل الكندي والفارابي وابن سينا، وتلميذه ابن زيله، وأفردوا لها الوقت الكافي والمؤلفات الشافية، وخصص إخوان الصفا واحدة من أهم رسائلهم - "رسالة في الموسيقى" - أشاروا فيها إلى تثبيت العلائق بين الموسيقى والفكر الرياضي والفلسفي من النواحي المختلفة، وعززوا هذا التثبيت بفصل كامل عن نوادر الفلاسفة في الموسيقى، وأشاروا إلى تأثيرات الأنغام على نفوس المستمعين المختلفة. فوقع الأنغام على المسرور غيره على المتألم، وعلى العاشق غيره على الخلي، وعلى المريض غيره على صحيح البدن. فكل واحد يتأثر حسب وصفه الخاص وفهمه الأخص للنغم( [46]). وهم بهذا يكونو قد سبقوا كروتشه (1866 - 1952 م) بألف عام في الحديث عن النظرية الجمالية، من زاوية الموسيقى، ولا سيما في حديثهم عن علاقة الروح بالموسيقى، وهو ما قاله كروتشه نفسه، واشتهر على أساسه في علم الجمال كما يقول الباحث عبد الغني الملاح( [47]). وأصحاب الموسيقى والغناء، وأساطين الصنعة، قد سبقوا المفكرين إلى الإشارة إلى تأثير الغناء على النفس. فهذا إسحاق الموصلي يقول: »دار الدنيا على أربع: البناء والنساء والطلاء والغناء. وعندما سأله المأمون: ما ألذ الغناء عندك؟ قال: ما وافق شهوة النفس. فقال المأمون: زد فيه: وطرب له السمع خطأ كان أو صواباً«( [48]).
وقد جمع الراغب بـ"محاضراتـ"ـه القيمة الكثير من الآراء التي تشيد بفضل الغناء، منها( [49]):
قالوا: اللذات أربع: أكل وشرب وسماع ونكاح. وكل يوصل إليه بتعب إلا الغناء. وقالوا: لا يكره الغناء إلا من عرضت له آفة في حاسته، كما لا يكره الطيب إلا من في شمه آفة، وحكى أهل الهند أن الزندبيل إذا أخذ امتنع من العلف، فيغنى له بالألحان الشجية، حتى تطيب نفسه. وقالوا: من سمع الغناء، فلم يرتح له كان عديم الحس أو سقيم النفس. وكان حكماء الهند يسمعون المريض الغناء( [50])، ويزعمون أنه يخفف العلة ويقوي الطبيعة. وبالأصوات الطيبة ينوم الطفل، وتُحدى الإبل، وتجمع السمك في حظائرها، وتصطاد الظباء والأسود من مرابضها. وقالوا: الغناء غذاء الأرواح، كما أن الطعام غذاء الأشباح. والغناء يصفي الفهم، ويرقق الذهن ويلين العريكة، ويثني الأعطاف، ويشجع الجبان، ويسخي البخيل.
ومن تلك النظريات المعرفية كان الوسط الاجتماعي العباسي يميل إلى ذوي الشأن في الموسيقى، ومنهم يؤخذ الرأي الصحيح. فهذ الرشيد يسأل برصوم الزامر:
ما تقول في ابن جامع؟ فحرك رأسه وقال: خمر قطربل، يعقل الرجل ويذهب العقل. قال: فما تقول في إبراهيم الموصلي؟ قال: بستان فيه خوخ وكمثرى وتفاح وشوك وخرنوب. قال: فما تقول في سليم بن سلام؟ فقال: ما أحسن خضابه! قال: فما تقول في عمر الغزال؟ قال: ما أحسن بنانه!( [51]).
كما أن الجاحظ يثني على زلزل )منصور ضارب العود( لجودته في الضرب والأداء، فيقول عنه: »كان من أحسن وأحذق من برأ الله بالجس. فكان إذا جس العود، وسمعه الأحنف ومن تحالم في دهره كله، لم يملك نفسه حتى يطرب«( [52]).
لم يقف الحد عند الخلفاء العباسيين لتبني واحتضان الغناء والمغنين، بل برز منهم من اتخذ من الغناء لذته واهتمامه الأرأس. فهذا إبراهيم بن المهدي( [53]) - أخو الرشيد -، وأخته علية بنت المهدي، كانا من كبار المغنين المجودين. وقد اشتهرت لإبراهيم أصوات كثيرة؛ وكذلك عليّة، فقد خلفت فيه ثلاثة وسبعين صوتاً - أي لحناً -( [54])، حتى خيل أنه لم يبق في بغداد ولا في الكوفة ولا البصرة سري إلا عمل على أن يقتني قينه أو قياناً (مغنيات) يشعن المرح في داره. والذي لا يستطيع شراء قينة يمكنه أن يستأجر من المقينين إحدى قيانهم لتغنيه ليلة أو ليالي متصلة( [55]).
طقوس الغناء
طقس الغناء هو الحالة السائدة على أرواح المستمعين والمغنين في آن واحد. فيكون فيه جو الغناء منسجماً بين جميع أطرافه، وهو في الوقت نفسه يشكل حالة ثقافية لأصحاب الذوق الرفيع. وليس اعتباطاً أن تطلق تلك التنظيرات والتعليقات والآراء الفلسفية والنفسية، ولو لم يكن الوعي الثقافي للغناء قد فرض مثل هذه الممارسات. لذلك قالوا بوجوب الاستماع بكل الحواس، وتشنيف الآذان للمنشد. قال أحدهم( [56]):
إذا حضر الغناء فليس إلا
سكوت واستماع للمغني
وهذا يعني، من أولى طقوس الغناء السكوتُ والاستماعُ. ولذلك قال أحمد علوية( [57]):
حكم الغناء تسمُّع وندام
ما للحديث مع الغناء نظام
لو كان لي أمر قضيت قضية
إن الحديث مع الغناء حرام
® ومن شروط طقوس الغناء أيضاً مصاحبة الموسيقيين بآلاتهم. وللعود القدحُ المعلى في ذلك. فأشهر المغنين كالموصلي وزرياب وابن جامع وغيرهم، وحتى الجواري المغنيات، كان للعود لصق بهم. ويكاد يكون العود أقدم الآلات مصاحبة للغناء والمغنين. فقد اندهش الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لمنظره وصوته وأدائه وفعله. وطلب من الوليد بن مسعدة أن يصفه له، فقال: »خشبة تشقق، ثم ترقق، ثم يعلق عليها أوتار، ثم تنطق، فتضرب الكرام رؤوسها بالخيطان سروراً به، وامرأته طالق إن كان في المجلس أحد يعلم به مثل ما هو يعلمه، وأنت أولهم يا أمير المؤمنين. فضحك عبد الملك«( [58]).
وقد أحسن كشاجم في وصفه للعود حين قال( [59]):
خلخاله في نحره، ولسانه
في أذنه، وجبينه من أسفل
مزح يكف على الأكف ولفظه
يعلو بتأليف الثقيل الأول
فكأنما شخص القريض ممثل
في العود أو سَكَنَتْهُ روح الموصلي
ورأى أعرابي عوداً. فلما عاد إلى البادية، نعته لأصحابه فقال: »رأيت شيئاً محدودب الظهر، أرشغ البطن، أكلف الجلد، أجوف، أسقف، أحنف، جبينه في إسته، وعيناه في صدره، وأمعاؤه من خارج بطنه، بها يتكلم، ومنها يترجم، معروك الآذان، ممشوق المعلق«( [60]).
وسأل إبراهيم الموصلي أبا محصن الأعرابي، وكان عنده من يضرب بالعود والطنبور، وقال له: »أيهما أحب إليك؟ فقال: أبعدهما صوتاً، وأكثرهما جلبة، وأحسنهما حلية. وأشار إلى أن الطنبور صوته كطنين ذباب بروضة«( [61]).
® كما يتوجب في مجالس الغناء وجود الزامر والمزمار، لأنه يكمل نوبة الغناء. وعلى حد تعبير إسحاق الموصلي، إن الزمر رفو الغناء. وقيل: الزمر يستر من حسن الغناء كما يستر من قبحه. قال المتوكل لزنام الزامر: تأهب للخروج معي. فقال: »الناي في كمي والريح في فمي، فاعزم إذا شئت«( [62]). ووصف ابن المعتز زامرة، فقال( [63]):
كأنما تلثم طفلاً لها
أتت به من ولد الزنج
® تخاصم رجلان عند ابن المدبّر - أحد رجال المأمون - وحلف أحدهما بالطلاق أنَّ صاحبه أحمق، ولا يبرح حتى يشهد القاضي بذلك. فذكر أن عند صاحبه زامرتين بلا مغنية، فقال القاضي: أشهد بأنه أحمق( [64]).
® ومن طقوس الغناء أيضاً في تلك المجالس: البكاء والشهيق وتمزق الثياب، كحالة لا تسبب أذى لأحد، ولا تسىء للمجلس. وهذه الحالة في »مجالس الغناء الشعبية« فقط، ولا يسمح بها في »مجالس الخلفاء الرسمية«. وتقبلها »مجالس الحانات«، بل إن المجالس الشعبية تتفاخر بها، على اعتبار أن شق القميص أو تمزيقه هو حالة انسجام وتماهٍ مع طقس الغناء ومعانيه ورفعٌ لوتيرته. وبهذا الصدد، ينقل الراغب الإصبهاني وغيره بعض هذه الحالات، فيقول( [65]):» سئل إبراهيم الصوفي المارستاني عن تمزيق الثوب في السماع، فقال: إن موسى قرأ على بني إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه. فقال الله تعالى لموسى: قل له مزق قلبك لا ثوبك«( [66]).
وكان لبعض الظرفاء مغنيتان: إحداهما محسنة، إذا غنت خرق قميصه؛ والأخرى مسيئة، إذا غنت قعد يخيطه. وطرب بعض الكبار على غناء، فشق قميصه. وقال لنديمه: بحياتي شق قميصك. فقال نديمه: إذاً أبقى عرياناً. فقال: أنا أخلفه لك غداً. قال: فأشقه غداً. وقد استطاع الشاعر أبو مالك الأعرج تصوير هذه الحالة بقوله( [67]):
إذا غنت قديماً أو حديثاً
فما للجيب من كفيك واقِ
أنواع مجلس الغناء وطقوسها وروادها
ألمحنا، في سياق النقطة السابقة، بأن مجالس الغناء، ثلاثة أنواع هي:
أ - مجالس الغناء الرسمية - وهي خاصة بالخليفة العباسي وحاشيته وأتباعه.
ب - مجالس الغناء الشعبية - وهي خاصة بعموم الناس في تلك الفترة.
ت - مجالس الغناء في الحانات - وهي تنحصر في الجواري المغنيات ورواد الحانات.
والصنف الأول من هذه المجالس، أي مجالس الغناء الرسمية يكون فيه الطقس الرسمي، مضيقاً بعض التضييق على المغنِّين والمغنيات، نظراً لكون الخليفة أو عائلته حاضرين في هذا المجلس، ويستر بين جوقة الغناء ومجلس الخليفة ستار يحجب الخليفة وعائلته. وهذا يعني شعور المغني ببعض الحرج والدونية، ويصبح غناؤه محدوداً بفاصل زمني، ربما قطع تجليات المغني وهو في حالة الأوج، وربما اقترح الخليفة صوتاً على المغني، فيصبح ملزماً بأدائه، في الوقت الذي تكون نفسه »المغني« ميالة إلى سواه، فيُحدث له إرباكاً نفسيّاً، ينعكس تأثيره على الصوت والإيقاع والحركة، وبالتالي على الجوق الموسيقي، ثم يسحب ظلاله على باقي المجلس، فينهر المغني ويهان، فتسقط هيبته، وتنزل طبقته، وربما فارق المجلس إلى الأبد. فقد ذكرت المصادر أن الرشيد حبس إبراهيم الموصلي وقرر عدم إطلاقه حتى يغني لسبب اقترفه في أحد المجالس. كما أن المتوكل أراد إحراج المغنية »فضل« والمغنية »بنان« حين طلب أن تجيزا بيت الشعر القائل( [68]):
تعلمت أسباب الرضى خوف سخطها
وعلمها حبي لها كيف تغضب
فقالت »فضل«:
يصد وأدنو بالمودة جاهداً
ويبعد عني بالوصال وأقرب
فقالت »بنان«:
وعندي لها العتبى على كل حالة
فما منه لي بد ولا عنه مذهب
وكذلك فعل إبراهيم بن المدبر - وهو أحد قادة المأمون المعروفين، ومن ذوي الشأن السياسي، إضافة إلى كونه من كبار الكتاب والأدباء. فقد طلب من جاريته »مثل« أن تجيز قوله( [69]):
قد يدرك المتأني بعض حاجته
وقد يكون مع المستعجيل الزلل
فقالت:
وربما فات بعض القوم أمرهم
مع التأني، وكان الحزم لو عجلوا
وأحياناً تؤدِّي الحالة النفسية للخليفة أو الأمير أو الوزير دوراً سيئاً في طقس الغناء، فينقلب المجلس إلى أتراح، وتذهب روح البهجة منه، فيشتم المغني والحاضرين، وتنقلب الموائد على الجالسين. فمن ذلك ما نقلته المصادر( [70]) عن الخليفة الأمين أيام الفتنة، إذ أمر أن يفرش له بساط على دكات في قصر الخلد، فبسط، وطرح عليه نمارق، وملئ من آنية الذهب المرصعة بالجوهر ومشام المسك والعنبر بما ملأه، وبين يديه عشر مغنيات. فابتدأت واحدة منهن فغنت:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه
كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
فإلا يكونوا قاتليه فإنه
سواء علينا ممسكاه وضاربه
فتأفف ولعنها. وقال للأخرى: غني! فغنت:
من كان مسروراً بمقتل مالك
فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه
بالليل قبل تبلُّج الأسمار
فزاد ضجره، ولعنها، وقال لأخرى: غني! فغنت:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً
وأيسر جرماً منك ضرِّج بالدم
فنهض الأمين، وأمر بفضِّ المجلس، تطيُّراً بما جرى.
وتحدثت فضلة - وهي واحدة من أشهر مغنيات البصرة، وكانت مفرطة في الجمال وطيب الغناء، وتقلب القاف كافاً في كلامها، قالت: »دعيت ذات مرة لأمير من أمراء البصرة. فلما حصلت عنده، ابتدأت الغناء فقلت( [71]): ومالي لأبكي فأندب ناقتي«. فجاء في كلامها »أبكي وأندب ناكتي«. قالت: فتطير الأمير وقال: قد وزنّا لك خمسة دنانير وأحضرناك لما يحضر مثيلك له، فإذا كنت تبكين وتندبين ناكتك، فما مزيد مقامك عندنا. هنا في هذا المجلس، طار صفاء الغناء، وذهبت بهجته، وأهين المنشد (المغنية) لسبب بسيط، هو عدم إدراك ذلك الأمير لطبيعة نطق المغنية، وأحياناً يجهل هذا الخليفة أو ذاك الأمير أو ولي العهد معنى الأبيات والمراد منها، عندما يصدح بها المغني بصوته. وحين يكتشف السلطان المعنى المقصود، قد يؤدب المغني أو المغنية. فمن ذلك ما حكته المغنية »فضلة«( [72]). قالت: أدخلت على الخليفة المتوكل، وعنده الفتح بن خاقان، فغنيته:
ما نقموا من بني أمية إلا
أنهم يحلمون إن غضبوا
وإنهم سادات الملوك فما تصــ
لح إلا عليهم العرب
قالت: »فتغير لونه وقال: غني غير هذا، لعنك الله! وأنا لا أعلم ما في ذلك«. فاندفعت وغنت( [73]):
أعني ابن ليلى عبد العزيز ببا
بليون تغدو جفانه رذماً
الواهب البخت والولائد كالــ
غزلان والخيل تعلك اللجما
قالت: فطرب له المتوكل طرباً شديداً، واستعاده مراراً. وعندما سأل الفتحَ عن المادح والممدوح، وعرف أنه في عبد العزيز بن مروان، غضب أشد الغضب، وقال: يا خدام! خذها فعلقها في خيط البرادة، مشدودة بالشادوفة. ثم دخل غلام شاب ظريف، في يده عود، فجلس بين يديه وغنى:
أقبلي فالخير مقبل
ودعي قول المعلل
وثقي بالنجح إذا أبـ
صرت وجه المتوكل
ملك ينصف ياظا
لمتي منك ويعدل
فهو الغاية والمأ
مول يرجوه المؤمل
قالت: فرفع المتوكل رأسه إليَّ وقال: كذا يغني الناس... والله العظيم، لا نزلت من مكانك حتى تحفظيه وتأخذيه عنه وتغنيه. فما زال الغلام يردده حتى حفظته ولقنته، وحططت
هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته
