عمر كوش
يرى مؤلف الكتاب أن أدب الغزل في بلاد الرافدين الذي جاءنا متكاملاً حيوياً مؤثراً من خلال النصوص المسمارية المدوّنة باللغتين السومرية والأكادية منذ ما يقارب خمسة آلاف سنة، وكذلك مشاهد الإثارة التي صورتها الفنون المرئية العراقية القديمة. وتعرض الوثائق المراحل السرية والعلنية، الى جانب المقدسة والدنيوية لخلفاء الحب والغزل والجنس عبر المراحل الحياتية للمرأة والرجل، الأمر الذي يعطينا تصوراً كاملاً عن تلك العلاقة التي تبدأ بالحب وتنتهي بالزواج أو بغيره. وعليه، فإن العراقيين القدامى قد عبروا عن تجربة حياتية رائعة في مجال العلاقات الجنسية في ظاهرها ومضمونها، وأوضحوا للبشرية خلاصة تلك التجارب في قصائد بشرية، مثيرة ورائعة، مشوبة برائحة الحب والعشق ومصورة بمشاهد فنية للعديد من الفنون العراقية القديمة.
ويعتبر المؤلف بأن الحب كان بداية وعنوان كل شيء، ويجري في العلن أو في الخفاء، حيث تلتقي الأيدي مع بعضها، ويعقبها حديث جذاب ورقيق حديث حب وغرام بين الحبيبين. وإذا كان الحياء يغلب على الفتاة في بادئ الأمر، فإن الإصرار بين الطرفين يدفعهما الى مواصلة الرحلة. وكانت المرأة تتهيأ بالاستحمام والمسح بالزيت وترتدي أحلى ما عندها، وتزين أجزاء جسدها بالأحجار الكريمة، وتبرز جمالها، وتفتح له باب بيتها ليبدأ العناق من شوق طال انتظار، لتكون البداية، بداية الحب الذي ليس لها نهاية.
ويشير الباحثون المختصون الى قدم النتاجات العراقية القديمة، التي تمثل أولى المحاولات الأدبية الإبداعية في التاريخ الإنساني، ويؤكدون على تداول تلك الآداب مشافهة في عصور سبقت التدوين. وقد خلّف العراقيون القدامى تركة ضخمة في شتى ضروب الأدب، التي دوّنت بالخط المسماري وباللغة السومرية أو الأكادية وفي بعض الأحيان بكلا اللغتين. وكانت النصوص أو القطع الأدبية تنتقل من مدينة الى أخرى، ومن عصر الى عصر، ومن شعب الى آخر في عملية النضوج والتطور الحضاري. ويعكس النتاج الأدبي الحياة الروحية والفكرية لحضارة بلاد الرافدين، ويعرفنا على مقوّمات وخصائص ذلك، لأنه أحسن ما يصور اتجاهاتها الفكرية وعقائدها ومعتقداتها الدينية.
وبدأت نقطة الانطلاق في التراث الأدبي وازدهرت عن الأدب السومري القديم، حيث طوّر السومريون ضروباً أدبية متنوعة وغنية، وإلى جانب ذلك ولد الأدب الأكادي ونما ووصل عهده الزاهر في العصر البالي. واحتلت النصوص الأدبية الخاصة بالحب والغزل والعلاقات الجنسية مكانة متميزة بين الأدبيات العراقية القديمة، حيث تغزل الشعراء بحبيباتهم، وقدموا لنا وصفاً كاملاً عن طبيعة العلاقات الغرامية في ذلك الوقت، وكذلك عن أصول التقاليد الاجتماعية.
غير أن الأديب العراقي القديم قد أعطى لقصائد الغزل صفة إلهية، من خلال حوار الأشخاص في القصيدة، لكي يكون لها مدلول قدسي في ذلك العصر، وتمتلك جلالاً وهيبة لدى عامة قبل الناس. وتوصلوا الى قدسية الحب من خلال قدسية الممارسات الجنسية، المتمثلة بالزواج وما يسبق فترة الزواج من علاقات اجتماعية مفيدة، كي تستمر الحياة العائلية الى النهاية عن طريق الحب والسعادة.
ويرى المؤلف أن الحب والغزل كانا في الشرق الأدنى أكثر من كونهما انفعالاً عاطفياً عابراً، يشعر به الشخص تجاه الآخرين، فالحب غير مقسم بين المقدس والدنيوي، البشر والآلهة، الانفعالي والجسدي، وكان يغمر الرجل والمرأة، والآلهة والمتعبدين، والحكام والمحكومين، والآباء والأبناء. ويبدو أن التمييز الجنسي بين الذكر والأنثى لم يكن مهماً حينما يظهر الحب والانفعال بين شخصين، بينما في بلاغتنا نميل لتمثيل عاطفة الحب كشيء أنبل من الجنس الجسدي، لكن في القديم يبقى مجاز الحب جسدياً.
ويبرز في الأدب القديم الاستخدام البارع للغة في قصائد الحب، ويبدو واضحاً من خلال المجاز والاستعارة والتشبيه، الذي يصل الى التأثيرات المختلفة، ويصور المواضيع المحددة بصورة جيدة. وكان المجاز الجسدي يؤخذ من الطبيعة كنوع من الإثارة للطبيعة الأكثر وضوحاً، فالاستعارة مثلاً ترفع شجرة التفاح في الحديقة وتجعل عمود المرمر كحجر اللازورد الأزرق. كما تلعب البساتين دوراً مهماً في طقوس الزواج المقدس، كنوع من التشبيه لأجل التعبير وتخيل الحب وكخلفية للقاء الأحبة.
أما طقس الزواج المقدس، فقد كان الهدف الجوهري له على الدوام هو الحصول على الرخاء والوفرة في النبات والحيوان، ويلاحظ المؤلف أن أداء الطقوس الخاصة به تختلف من مدينة الى أخرى. ويرجع هذا الاختلاف الى العرف الشائع الخاص بالزواج والمتعارف عليه بين الرجل والمرأة. وقد تتخلله طقوس سرية، مثل الصلوات والتراتيل، التي كانت تتلى في المعبد من أجل الحصول على الوفرة والخصوبة في الإنسان والنبات والحيوان لأجل تناسلهم وتكاثرهم وانتشارهم. ويجري الاحتفال بطقوس الزواج المقدس في أيام معينة من السنة، حيث يعتمد اختيار الأيام على قراءة الطالع والفال الحسن، واكتسب زواج دموزي من أنانا شهرة واسعة بين الزيجات الإلهية، حيث أطلق الشعراء السومريون العنان لخيالهم في تصوير هذا الزواج وقصص الحب التي عاشها الإثنان قبل زواجهما في نصوص شعرية مثيرة، تصف شوق الطرفين وما يشعران به من عواطف مشوقة، وبعضها يصف حلاوة اللقاء ومتعة الوصال.
لا شك في أن المؤلف يقارب في كتابه بعض الجوانب المسكوت عنها أو المنسية في حضارة بلاد الرافدين وخصائص الحياة اليومية فيها، والتي تغفلها الوثائق الرسمية، خصوصاً اختلاط المقدس بالدنيوي، والتأرجح المستمر للعواطف والرغبات بين الألوهي والأرضي أو التمازج اللانهائي بينهما. وقد ظلت نصوص العراقيين القدماء تنتقل من مدينة الى أخرى ومن عصر الى آخر ومن لغة الى أخرى، كانت نقطة الانطلاق الأولى من السومريين الذين طوروا ضروباً أدبية متنوعة وأعقبهم الأكاديون، ثم تولدت لاحقاً أساليب أدبية وتعبيرية جديدة لدى البابليين والآشوريين. ومن مكتبة الملك "آشور بانيبال" وصلت مجموعة كبيرة من النصوص الأدبية القديمة، سومرية كانت أم أكادية، إذ عكف نسّاخ ذلك الملك على نقل النصوص القديمة من أصولها السومرية وإعادة صياغتها لتنسجم مع المزاج الاجتماعي والروحي في إمبراطورية مترامية الأطراف أو أبقوا عليها كما هي.
وتضمنت أشعار الحب الأكادية الأغراض نفسها الى جانب قصائد تختلف قليلاً ومنها قصيدة فريدة عن إمرأة مريضة بالحب تحاور حبيباً لا يبادلها مشاعرها. في حين استعلمت قصائد الحب من العصر الآشوري الحديث (612ق.م) كطقوس سحرية رمزية وكانت الطلاسم والرقى تحتوي الجمل نفسها الموجودة في قصائد الحب. كما وجد الى جانب ذلك عدد من نصوص الفأل التي تواصلت منذ العصر السومري وحتى نهاية العصور الآشورية، وقد وجدت أيضاً نصوص أدبية ذات علاقة بالرقى والتعاويذ الخاصة بالحب تصف مفاتن الجسد. [ الكتاب: أدب الغزل ومشاهد الإثارة في الحضارة العراقية القديمة. [ تأليف: حكمت بشير الأسود. [ الناشر: دار المدى، دمشق 2008.
المستقبل - الثلاثاء 15 كانون الأول 2009 - العدد 3512 - ثقافة و فنون - صفحة 18
