لطيف شاكر

"ايها الاله الاعظم ... اني لم اقترف الشر ولم اعتد ...ولم اقتل , ولم أمس القرابين المقدسة ولم أسل دموع أحد ولم أتدنس , ولم أذبح ماحرمته .. ولم أتلف أرضا مزروعة, ولم أقذف في حق أحد.. ولم أرتكب الزنا أو أنظر لزوجة جاري , ولم أترك الغضب يخرجني الي غير الحق , ولم أرفض أن أسمع كلمة الحق وصوت العدل ولم اسئ الظن بالملك أو أخلف طاعته .. ولم أمنع اللبن عن افواه الرضع أو الطعام عن أفواه الجائعين ولم أصد طيور الالهة التي حرموا صيدها ولم أسد قناة ري عن غيري. أو أمنع الماء عمن يحتاج اليه , ولم أطفئ نارا يجب ان تشعل وانرت قلبي بنور الايمان".
(محاكمة الروح امام هيئة القضاءالمكونة من 42 قاضي)
كان شعب مصر أول من آمن بأن هناك الها واحدا للجميع آمن بهذه الحقيقة قيبيل مولد الزمان وقبل ارسال الانبياء فكان أول من نادي بالتوحيد فذلك الايمان وذلك التوحيد هوالذي بني حضارة مصر وفي كل مرة حاول اقامة الدولة كانت الفكرة الاساسية فيها توحيد العقيدة وتوحيد المعبودات والايمان بالاله الواح والحضارة المصرية.... أقدم حضارة انسانية علي وجه الارض ولدت مع مولد الزمان كما وصفها الكاهن والمؤرخ المصري القديم مانيتون" اول من وضع التاريخ الزمني للحضارة الفرعونية و قسمه الي عهود وأسرات علي قوائمه التي سجل فيها ماوصفه بتاريخة مصر منذ بدء الخليقة حتي نهاية حكم الفراعنة بفضل ماكانت تحتفظ به خزائن المعابد من سجلات أسرار المعرفة المقدسة , عندما كان رئيسا لكهنة كل من معبدي تانيس وهليوبوليس .
حدد مولد الحضارة المصرية بشروق شمس العقيدة علس الارض المقدسة التي اختارها الاله (جب بتاح) ومنه اتخذت اسمها الخالد الذي تحتفظ به الي الان وهو الاسم الذي نسبه المؤرخون خطأ الي الاغريق الذين أطلقوا علي اسم مصر اسم اسم ( جيبتوس) وكما ورد في وثائق هيرودت . كما أخطأ المؤرخون في اصل اسم مصر أخطأوا في اسم النيل – نهر الحياة- رجعوا به الي اسم( نيلوس) وهوالاسم الي أطلقه عليه مؤرخو الاغريق ايضا . بينما كشفت الابحاث الحديثة ان نهر النوبة والصعيد كان يطلق عليهاسم (ال-نيل ) اي النهر الازرق والدلتا بانهارها السبعة ( ني –ال- و) اي الانهار .
فاسم مصر واسم النيل ظهرا مع مولد الحضارة الفرعونية التي سبقت حضارة الاغريق ومؤرخيهم بما لايقل عن عشرى الاف سنة لتاريخ الزمني الحقيقي للحضارة المصرية , ان الحضارة المصرية التي نبتت علي ضفاف النيل وأمتدت تركت بصماتها وا ضحة علي جميع الحضارات التي ظهرت علي شواطئ البحر البحر الابيض ووصت شمالا الي شواطئ البحر الاسود كماشقت طريقها الي مختلف حضارات الشرق القديم فوصلت جنوبا الي شواطئ شرق افريقيا واستراليا . وتبعث مسيرة الشمس في غروبها لتعبر المحيط الاطلسي وتصل الي شواطئ الامريكيتيـن .
إن اول لغز واجه الباحثين في علم الحضارات وتاريخها هو اختلاف الحضارة الفرعونية او المصرية القديمة عن بقية الحضارات البشرية انها لم تخضع لسنة النشوء والنمو والتطور والارتقاء الطبيعية بل ظهرت كاملة ومتطورة في جميع عناصر مقوماتها.
وتاريخ مصر هو تاريخ الحضارة الإنسانية, حيث أبدع الإنسان المصري وقدم حضارة عريقة سبقت حضارات شعوب العالم.. حضارة رائدة في جميع عناصر مقوماتها , عندما بدأ مع توحيد ااقليمي الوادي وبداية الاسرات وحددوا عمر الحضارة المصرية بخمسة الاف سنة اي مع بدء ظهورها كشجرة نامية فوق سطح الارض بينما كانت جذورها تمتد عميقة فيي باطنها . وعندما بدأ البحث والتنقيب لتتبع جذورها او لغز جذور الحضارة وتحديد عمرها الزمني وجد انها تمتد الي مايزيد علي عشرة الاف سنة . ان مااطلق عليه توحيد الاقليمين سبقته عدة مراحل للتوحيد لكل منها اسراتها الحاكمة
,وانظمة الحكم وتشاريعه وعناصر المدنية ومقوماتها .ابتكاراتها وعمائرها وفنونها ، حيث أذهلت العالم والعلماء بفكرها وعلمها ، فهي حضارة متصلة الحلقات تفاعل معها الإنسان المصري وتركت في عقله ووجدانه بصمتها ، لقد كانت مصــر أول دولة في العالم القديم عرفت مبادئ الكتابة وابتدعت الحروف والعلامات الهيروغليفية .
وكان المصريون القدماء حريصين على تدوين وتسجيل تاريخهم والأحداث التي صنعوها وعاشوها فكانت اول حضارة مكتوبة علي جدران المعابد واوراق البردي الذي تفوقوا في تصنيعه لاستخامه في الكتابة والتدوين، وبهذه الخطوة الحضارية العظيمـة انتقلت مصـر من عصور ما قبل التاريخ وأصبحت أول دولة في العالم لها تاريخ مكتوب ، ولها نظم ثابتة ولذلك اعتبرت بكافة المعايير أماً للحضارات الإنسانية.
وقد واجه الباحثون في علم الحضارات وتاريخها ان الحضارة الفرعونية اختلفت عن جميع حضارات البشرية في انها لم تخضع لسنة النشوء والارتقاء بل ظهرت متكاملة ومتطورة في جميع عناصر مقوماتها وكلما تغلغل الباحثون في الاعماق السحيقة للوصول الي جذور المعرفة تكشف لهم مفاجأة بدايتها من القمة وتوازن جميع عناصر مقومات تكوينها من علوم الفلك والطب والكيمياء والهندسة والزراعة والفنون والآداب ..... وفي مقدمتها العقيدةالتي شملت أسرار الوجود والايمان باالاله الخالق ووضعت تشاريع حياة المجتمع فمهدت طريق الحضارة المتعددة الابعاد وحددت معالمه ..ذلك الطريق الذي سارت فيه مقتفية آثار أقدام مصر شعوب آخري وشعوب الشرق القديم ثم اليونان مقتفية أثر المصري وجميع تلك الحضارات رأت النور بعد أن رفعت مصر شعلة الحضارة بألاف السنين . ومن اليونان أخذت أوربا الكثير من معالم الحضارة التي يعيشها العالم الان.
وقد يقول قائل ماذا اعطت مصر..وماذا قال عنها الباحثون في تاريخ الحضارات :
يقول هنري بريستد " إن عطاء مصر للحضارة والانسانية دائم ومتجدد وينهض دليلا علي عبقرية أصيلة ووجدان مرهق لشعب وادي النيل وهي عبقرية لم تنقطع " .
وقال امري"إن عظمة مصر تتجلي في تاريخ حضارتها ومدنيتها التي استمرت خمسة الاف سنة عاشتها أمة عظيمة موحدة ثابتة منظمة كانت دائما تخطو الارتقاء والتقدم".
وقال سونيرون "الانسان المصري لم يعرف العقم في حياته .عرف العطاء منذ ان رفع شعلة الحضارة . فالمصري صنع الحضارة لافي مصر وحدها بل في العالم أجمع , ويقول ان مصر الفرعونية فجرت اول ثورة صناعية جمعن بين العقيدة والمعرفة او بين الدين والعلوم منذ فجر التاريخ وتشابكت جذورهما دون انفصال . لذا اطلقوا علي العلوم اسم المعرفة المقدسة, ونسبوا كل شئ الي الخالق كانوا أول من آمن بوجوده فارتبطت المعرفة وعلومها بالسماء فنبتت جذورها في المعابد واصبحت ضمن مقدساتها. لم تخضع لمبدأ التجارب والخضوع لسنة النشوء والتطور بل خلرجت الي النور متكاملة يعززها البحث العلمي فنسبوها الي المعبود تحوت"
والديانة المصرية القديمة _ رغم وثنيتها وعدم خلوها من الأساطير – إلا انها آمنت بالخلود والقيامة من الأموات, كما اشتركت مع الأساطير بضرورة الثواب والعقاب . وأعتقدت أن البشر يحوون قبسا إلهيا , ويمكنهم أن يصبحوا آلهة حال مماتهم , فيما عدا الملك الذي يؤله اثناء حياته .
وفي الديانة المصرية نجد مايدعي قرين الانسان المنظور واطلقوا عليه كلمة "الكا"أما "البا"هي القرين غير المظور للجسد الانساني وهي أعظم من مجرد الجسد,, حتي أن الالهة أيضا كان لها "الكا" وهو المنظر الخارجي وال "با" القرين القوي .
كان الشئ الطيب عند المصريين هو العمل الذي يحبه وتقره الالهة كما ان الانسان مسئول عن أعماله , . و بسبب اعتقادهم في حياة اخري, فقد آمنوا بثواب في الآخرة علي خير لم ينالوا جزاءه في الأرض .
ولقد افترضوا أن الموتي يبدون اهتماما بالاحياء , بل انهم بعد موتهم يصيرون أقوياء بما فيه الكفاية لمساعدتهم . واعتبر المصريون ان الشمس والنيل مصدران للحياة, ولكن الاعظم من هذا فان الغروب والشروق عندهم كانا يشيران الي الحياة التي ستمنح للانسان بعد الموت, والجفاف ثم الفيضان يشيران الي بعث الحياة والخضرة , ولهذا برعوا في تحنيط الاجسلد, بل ووضعوا أحيانا تمثال حجري للرأس خوفا من تحليل جسد الميت .
ولما كانت اقاليم مصر مستقلة في العصور المبكرة , فكان لكل اقلبم معبوده الخاص به , والذي يختلف من اقليم لاخر, وعادة مايكون من الحيوانات , اشارة الي القوة المسيطرة مثل اللبؤة (سخمت) والتمساح (سويك) وفرس النهر (تأروت), وكانت الاعمدة وساريات الاعلام تعبر عن هذه المعبودات واعتبروها حامية المدينة , وأطلقوا علي العلامة الهيروغليفية المعبرة عن الاله كلمة"نوتي" واتي صارت فيما بعد تعني الاله في ترجمة الانجيل الي القبطية ثم لعبت الاحداث السياسية تأثيرا في الالهة, وأصبح اله عاصمة الأقليم هو المعبود الرئيسي , والالهة المحلية مجرد أقانيم متساوية له أو ظله .
وعلي هذا فان الديانة المصرية ليست من خلق مفكر واحد ولكنها النتاج العام للعديد من مختلف التيارات اللاهوتية والساسية. هذا عدا الالهة الكونية وفي مقدمتها" رع والقمر "تحوت" والأرض " جب" والسماء" نوت" والنيل" نون".
كما كان هناك الالهة المعنوية مثل اله الحكمة والمعرفة" توت" والهة الحق والصدق والعدالة "ماعت" واله الصحراء واله السحر" بابون" واله الحبور والسعادة " بس "....الخ.
لقد كانت طبيعةالالهة عند المصريين انهم سادة الحياة, أقوياء لكن طيبون ويشعون سلاما وجمالا والهتهم عندهم هي التي تخلق البشر مثل الاله "خنوم" ويمثل( الكبش في قوة الاخصاب) اما زوجة الاله خنوم فهي حكات تعطي "الحياة " ... وهكذا كان لكل اله رمز ومعني ورسم هيروغليفي له .
ورغم تعدد الالهه , لم يتصفوا بالتعصب العقائدي , بل كان هناك التسامح الديني بين المصريين ورغم انهم آمنوا بان الالهة تساعد فرعون في حربه, الا ان هذه الحروب لم تكن ابدا تبشيرية بالهتهم, بل كان التسامح وحرية الدين سمة وعلامة لهم في كل البلاد التي احتلوها او للاجانب الذين استوطنوا بمصر .
إن لمصر دورها الحضاري والتاريخي والديني حيث كانت المكان الذي احتضن الأنبياء ، والأرض التي سارت عليها خطواتهم .. فجاء إليها أبو الأنبياء إبراهيم على جبل سينـاء .. وجاء إليها يوسف ، وأصبح فيها وزيراً وتبعه إليها أبوه يعقوب ودار أعظم حوار بين الله عز وجل وبين موسى ، على جبل سينـاء .
وإلى مصــر لجأت العائلة المقدسـة السيدة مريم العذراء والسيد المسيح طفلاً ويوسف النجار ، وقاموا برحلــة تاريخية مباركة علي أرضها .. وقد اختار الله سبحانه وتعالى مصــر بالذات لتكون الملجأ الحصين لكل من يلجأ اليها . لقد شاءت السماء لها أن تكون واحة السلام والأمان على الدوام , وملتقى الإيمان التي تتابعت على أرض مصر وموئلا لحضارات متعددة .
فكانت مصر مهدا الحضارات ومهبط الاديان والعقائد ومصدر العلوم.وايضا حاضنة للحضارات الإغريقية والرومانية والبيزنطية و حاوية للحضارة القبطيــة المسيحية, وأحتوت أخيرا الحضارة الإسلامية .
لقد اتسم شعب مصــر على طول التاريخ بالحب والتسامح والود والكرم الذي تميز بـه هذا الشعب ، وهكـذا دائما كان وسيكون شعب مصر مصريون قبل الأديان ومصريون في ظل الايمان ومصريون إلى آخر الزمان
